عيش كأنك تلعب
وإذاً قَابلت أليس كوبر منذ أسبوع في حفلةِ زفَاف عمر مصطفى، كانت الحفلة على سطوح إحدى عمارات وسط البلد في شَارعِ عمَاد الدين. لم أتعرف عليه في البداية لكن لفت نظري ملابسه ومكياج وجهه، سألت عمرو 'من يكون هذا' فخبط جبهته بيده وقد نسى اسمه كالعادة، ثم ذهب إلى عروسةِ وسألها 'مين دا؟!' لكنها اكتفت بالضحك وقالت له 'دا صاحبك أنت يا حبيبى'
إذاً ذهبت للرجل وصافحته، عرفته بنفسى، فقال بصوت مبحوح 'كوبر.. أليس كوبر' اندهشت لوجوده هنا، لكن لم أظهر أى علامة من علامات الاستغراب، أعطيته علبة بيرة صفيح ففتحها بأظافره الطويلة ثم تجرعها كَاملة على مرتين.
كانت الموسيقي جيدة، لكنى بسهولة أمكنني الشعور أن كوبر لم يكن مستريحاً لهذا النوع من الموسيقي الهَادئة ذات الطَابع الرومانسى والمغزى الأخلاقي السامى؛ عموماً لم أكن مجنوناً يوماً بموسيقى كوبر، أعنى أنا أقدر الرجل حقاً وأعرف قيمته، وتأثيره الكبير على عشرات الموسيقيين، وملاين البشر من جمهوره، لكنى لم أكن واحداً منهم للآسف وهذا بالطبع لا يعنى بالضرورة أنى أكن أى موقف عدائى، أو سلبى اتجاه الرجل، فعلى العكس ثَرثرت معه في اللاشيء تقريباً لمدة نصف ساعة بعدها كان لابد أن استأذن في الانصرافِ حتى ألحق موعداً آخر، صَافحته وأخبرته أنى سأغادر، فقال أن هذا جيد جداً لأنه أيضاً يريد أن يغَادر.
إذاً غادرناً معاً، وبينما نحن على السلم عرض عليّ الذهاب معه إلى مسكنه، وشد سطرين، سألته أين يسكن لأفاجأ أنه يسكن في الطابق الثانى من نفس البناية، لكن مسكنه عبارة عن حجرة بحمام فوق سطوح أحدى المباني القصيرة لكن الدخول إليها يتم من نفس بناية عمرو.
هكذا إذاً أخذت سطرين من الكوكاكين الذى وصفه بأنه نوع رديء، مثل كل شيء في مصر، لهذا سألته ما الذي يجعله يقيم في القاهرة إذا كان كل شيء سيء، فقال أنه يباشر استثماراته وأعماله في القاهرة، سألنى إذا كنت أعرف محل متعهد الجنازات المسيحى الموجود في ميدان رمسيس بجوار جامع الفتح، فجاوبته بالنفى، ليخبرنى عند هذه النقطة بمنتهى السهولة أنه صاحب أكبر سلسلة من محلات الجنازات المسيحية، لديه غابات كاملة في أمريكا اللاتينية يستخدم أخشابه في صنع توابيت خشبية لكل الطبقات وكل المستويات.
إذ لاحظ كوبر زيادة أعداد المواليد المسيحيين في مصر وهو ما يعنى فرصة مستقبلية للتوسع، لذلك يهدف من خلال زيارته الحالية للقاهرة إلى السيطرة على سوق الجنازات المسيحية ليضمن احتكار السوق له فقط في المستقبل، من خلال القضاء على كل المحلات الصغيرة خصوصاً في شبرا ومحافظة المنيا.
* * *
بعد عدة أيام قابلت سعيد أبو بكر في مقهى الندوة الثقافية بميدان باب اللوق، المقهى من مقاهى سعيد المفضلة، ربما لأنه يقدم معسل التنباك الذى أخذ سعيد يشربه بجواري وأنا أتابع ذات الرداء الأحمر في الصيدلية المقابلة للمقهى، تحدثنا قليلاً ولفت نظرى موبيل جديد يحمله، أخذت ألعب فيها منبهراً، كان الجهاز أكثر من موبيل بل تقريبا جهاز كمبيوتر بحجم كفة اليد، وبسخرية سألته 'من أين لك هذا يا بطة؟!' من ملامح وجهه بدا أنها محشش تحشيشة عظيمة، لكنه هز رأسه والمبسم في فمه، ثم التفت نحوى قائلاً 'وحياتك بلاش تفكرنى، دا أنا امبارح كان واحد من أجمد أيام حياتى.. ثروة وحياتك يا اخوى هبطت عليا من السما.'
نقلت بصرى إلى فتاة ممتلئة دخلت المقهى، وجلست عن يمينى، وسألته 'ازاى يعنى؟' فجاوب قائلاً 'واحد خواجة قابلته امبارح في صالة مدام دولت، لعبنا بولة، والثانية والثالثة، الرجل كل ما يخسر، يسخن، ويرفع، يسخن ويرفع، ومحسوبك حظه كان فوق.. فوق.. فوق النجوم، وبعدين قشطته تماما، وأخر حاجة لعبنا عليها الموبيل دا، والنهاردا هنكمل الليلة'.
توقف للحظة وأخذ يدور بعينيه في المقهى محدثاً نفسه 'انا عايز حجر تانى' ثم أكمل قائلاً 'آخر القعدة امبارح، اقسم انه بكرة مستعد يلاعبنى على روحه مقابل روحى، يعنى الليلة دى، الخسران لازم يروح عريان'
حولت نظرى من الفتاة الممتلئة التى بدأت في تدخين سيجارة كليوبترا سوبر إلى ذات الرداء الأحمر، التى كانت تلعب في شعرها، ورددت عليه 'طيب وافرض خسرت يا بطة'. نفث الدخان إلى أعلى وقال كأنه يتحدث مع الله 'يا سيدى ما ياما خسرنا'
* * *
غاب سعيد أبو بكر لفترة، حاولت الاتصال به أكثر من مرة لكن تليفونه كان مغلقاً، سألت عنه سراج منير، فقال أنه غَالباً سَافر للرَاحة والاستجمام في أحد المنتجعات الصحية في التشيك أو السويد. نعم كان هذا غريباً لأنى لم أعرف سعيد غنياً إلى هذه الحد.
في هذه الفترة، اشتد المرض على زوزو وزرتها مع استفان بعدما بذلت أنا ونور الدين مجهوداً كبيراً في اقناعه، نصب توفيق على نجاح الموجى في تربة حشيش بألف جنيه وتدخلت لتخليص الموضوع، ومررت في مغامرة لطيفة قد أقصها عليكم يوماً ما، وشعرت بانجذاب اتجاه فتاة مصرية تتمنى أن تكون يابانيه لكنها للآسف كانت مرتبطة بجاك دانيل، ونقلت محل إقامتى، وشربت افيون لأول مرة في حياتى مع ميمى شكيب، ثم ظهر اسم سعيد ابوبكر على موبيلى، فتحت الخط وأنا أهتف 'يا ابن الكلب... أنت فين يا جدع أنت؟'
سمعت ضحكته على الطرف الآخر، وكنت جالساً في أحد المقاهى المقابلة للجامعة الأمريكية، وبعد خمس دقائق مر علي وهو يقود سيارة كاديلاك مكشوفة ذات موديل قديم ولون أخضر، باختصار كانت مبهرة. وما أن جلست بجواره وبعد السلامات والتحيات والإخباريات سألته من أين لك هذا فلوى بوزه وقال لى 'اصبر معايا للآخر'
اتجهنا إلى شارع رمسيس، وقبل جامع الفتح ركنا السيارة، ونزلنا لندخل محل متعهد جنازات مسيحي، كان محلاً ضيقاً يمتلأ بالتوابيت الخشبية من كل الأنواع والمقاسات.
سلم سعيد على الولد الجالس في المحل الذي قام من على المكتب، واستأذن في الانصراف، وانزل باب المحل خلفه، ليمد سعيد يده إلى علبة سجائره، ويخرج جيونت حشيش معتبر، كنت مذهول تماماً من الجو بأكمله ومن ملابس سعيد وبدلته الفخمة التى منحته مظهراً مختلفاً، ومندهشاً خاطبته 'من أين لك كل هذا يا ابن الكلب؟!'
تناول من على المكتب علبة ذهبية مطعمة بحجارة قدرت أنها ماس، ثم فتح العلبة واخرج مجموعة من أوراق الكوتشينه، وبحركة سحرية فردها أمام وجهى؛ وابتسم وحواجبه مرفوعة لأعلى. كشيطان صغير يمارس لعبته المفضلة.
لم يكن مُهماً لى أن أعرف إلى أين نتجه، لكن بسهوله كنت أري أننا نتجه نحو ميدان السيدة عائشة، وهو ما جعلني أحاول أن أتذكر أي مطعم باسم الزهور هام ومثير لدرجة أن يدعوني أنور وليلي ليس إلى تناول الغذاء فيه معهما بل وتخصيص نصف يوم كامل للاستمتاع بنزهة جميلة -كان هذا هو التعبير المحبب لدى ليلي- في مطعم الزهور.

أعرف أنور وليلي منذ فترة طويلة لكن علاقتي بهم ظلت متوقفه لفترة على السلام العَابر حينما نلتقي في حفلات لأصدقاء مشتركين. في أحدى هذه الحفلات تبادلت حديث قصير مع أنور حول المزيكا عبرت فيه عن إعجابي بجيري لويس، لكنه اختلف معي مُفضلا جونى كاش عنه أما سام كوك فقد كان رقم واحد بالنسبة إليه حتى أنه دعاني للاستماع إلى بعض أغانية وعبر عن استعداده لمنحى بعض تسجيلاته النادرة لسام كوك.
ذهبت إلى منزله واستمعت إلى سام كوك وشربنا البليز معاً نحن الثلاثة أنور وليلي وبعد أن انتهت الزجاجة انتقلنا إلى ويسكى حتى مكثنا في هزار ونكات مستمتعين بأمسية بديعة انتهت بغناء ليلي لنا وصرنا أصدقاء من بعدها.
ذات ظهيرة بينما كنت واقفاً في شرفة منزلهم بجاردن سيتى أدخن سيجارة بصحبة أنور، دخلت علينا ليلي ترتدى قميص منزلى أبيض خفيف ذو حملات رفيعة تنسدل إحداها كل لحظة عن كتفها، وقفت بجواري مستنده إلى سور الشرفة وقالت وهى تمسح العرق من على جبهتها "أوفف الجو حر جداً" بدا أنور غير منتبهاً وهو يتابع غروب الشمس من أعلى القاهرة، فجاوبت ليلي "كل دا واحنا لسه في يونيو بعد كدا الواحد مش عارف هيعمل ايه في اغسطس" أخرجت تنهيدة قصيرة أخري وقربت كتفها العاري أكثر باتجاه كتفي..
كنت أرتدى قميص بنصف كم لذا فقد شعرت بملمس بشرتها البيضاء رطباً، وبطرف عينى كنت ألمح قلادتها الذهبية تتأرجح بين ثدييها الذى كشف القميص الطويل عن جزء كبير منهما.. وفي لحظة التفتت إلى أنور فخرجت أنفاسها ساخنة في وجهى وهى تقول "أنور احنا لازم نروح مطعم الزهور"، رد أنور دون أن يلتفت "فكرة هايلة.. وأنت كمان لازم تيجى معانا"
تبسمت، وهززت رأسى موفقاً بمعنى ماشى الحال، انصرفت يومها وقد نمت مشغولاً ببياض بشرة ليلي وبروز حلمتيها
.
* * *
في سيارة أنور الكاديلاك قطعنا الطريق من جاردن سيتى إلى القصر العينى،عبر أنور بالسيارة ميدان السيدة عائشة وبدا متجهاً إلى القلعة لكن وقبل أن نصل إلى القلعة انحرف يساراً لندخل شارع ضيق وسط المنطقة السكنية المجاورة للقلعة، مشينا في الشارع بصعوبة حيث كان الطريق غير مسفلت وتوقفنا حوالى خمس دقائق لأن أحد الأغبياء أوقف سيارته في منتصف الشارع، لكننا أكملنا الطريق يمين في شمال وشمال في يمين، كنا الآن في قلب مسَاكن القلعة أو هكذا خمنت.. ثم وصلنا إلى ساحة يلعب فيها الأطفال كرة القدم فأوقف أنور سيارته على طرف الساحة بجوار عدد آخر من السيارات الفخمة والتي بدا وجودها في هذه المنطقة غريباً جداً.
نزلنا من السيارة متجهين نحو أحد المنازل الشعبية ذات الأبواب القديمة ووسط السيارات لمحت سيارة جاجور سوداء انخلع لها قلبي، وقفنا أمام الباب فضغط أنور بيمينه على زر الجرس بينما يده اليسري كانت تحمل حقيبة المناشف ولباس السباحة؛ فتح الباب رجل ضخم يرتدى جلباب بلدى بنى اللون ابتسم ما أن رأى أنور وليلي وسلم عليهما بحرارة شديدة، ثم قادنا من الباب في ممر طويل حتى أوصلنا إلى سلالم تمتد إلى الأسفل فنزلنها حتى وصلنا إلى باب أخر يجلس أمامه أحد رجال الأمن غارقاً في عرقه، واضعاً بجواره مروحة ماركة فريش، فتح لنا الباب وهو ينحني ودخلنا.
* * *
شكرت أنور وليلي على النزهة الجميلة وعزومة الغذاء وطلبت أنا وسعيد أبو بكر منهم إنزالنا في ميدان الأوبرا، كان أنور وليلي مرهقين وينويان التوجه إلى منزلهما بينما بالنسبة لى أنا وسعيد كان اليوم لا يزال في بدايته، الساعة لا تزال العاشرة والنصف، مما يعنى أن بار البراندى سوف يفتح أبوابه بعد نصف ساعة.
مشيت أنا وسعيد في ميدان الأوبرا وجلسنا تحت التمثال العظيم للفارس المحارب إبراهيم باشا، أخرج سعيد سجارتين ماركة فاطيمه من جيب معطف بدلته السوداء، أشعلت له السيجارة من ولاعتى، أخذ نفساً وقال لى:
-أنت شفت سامية النهاردا. جاوبته "لا جينا متأخر بعد ما خلصت، بس شفت عربيتها. " ابتسمت بلا سبب وأنا أضع السيجارة في فمى، ناظراً لحواجبه السوداء الكثيفة وصلعته الخفيفة التى ينعكس عليها ضوء مصابيح الشارع. لم يلحظ ابتسامتى لكنه رد قائلاً "آه الجاجور السوداء دى رهيبة.. بنت الأيه، عارف جبتها من مين" قاطعته "يلا نروح نشرب براندى" لكنه استمر بصوته الحاد "فاكر الراجل اللى كان بيجى دايماً في نايت كلب الخديوى" فقاطعته بحدة أعلى "يلا نروح نشرب براندى يا سعيد، ومش عايز اعرف جابتها من مين." انخرس سعيد، وقمنا من تحت التمثال متجهين باتجاه بار براندى عبده.
* * *
يتكون مطعم الزهور من قاعة دائرية كبيرة في منتصفها قرص خشبي قدرت أن يشكل البيست أو بلغة أهل العرب ساحة الرقص، وحول القرص الدائري تتراص ما يمكن أن نسميه الطاولات، وهى عبارة عن أحواض سباحة صغيرة تتسع لأربع أفراد، وفي المنتصف طاولة لوضع الطعام.
كنت منبهراً بالشكل، وأنا أشَاهد الجميع يتحركون في المايوهات وأردية السبَاحة، وعملاً بنصيحة سابقة لأنور لم أفهم مغزاها وقتها كنت قد ارتديت أسفل ملابسي المايوه حيث لم أحتج إلا لخلع القميص والبنطال ووضع الشراب في الحذاء في واحدة من خزائن الملابس.
جلست أنا وأنور وجدى وليلي يصل الماء إلى منتصف صدرنا طلبنا بيرة فحضرت البيرة، كان شعوري بالماء البارد محيطاً بجسدى جميلاً جدا خصوصاً في مثل هذه الطقس الذى جئنا منه في الخارج بينما كان المكان مكيف على درجة حرارة مُنخفضة يمكن وصفها باللطيفه؛ في الجو كان تنتشر رائحة بخار خليط من الياسمين وشيء لم أستطيع تحديد ماهيته ربما يكون النعناع. نظرت لزجاجة البيرة باردة تتساقط قطرات الماء من على جانبيها عن يمينى كانت تجلس ليلي وأنور بجوارها وقطرة من الماء تنحدر من على كتفها الأبيض العاري.
* * *
بالصدفة أتى سعيد وشاركنا الطاولة. المشكلة الوحيدة في المكان أنه التدخين ممنوع بداخله. استأذنا أنا وسعيد وذهبنا لشرب سيجارة وبينما كنا نسير في اتج
اه الباب.. لمحتها خارجه بكامل بهائها. كانت تلف نفسها في عباءة سوداء تحتها فستان أسود قصير، مع جذمه ذات كعب عالى ورفيع ينغرس سنه الفضي في قلبي مع كل خطوة تخطوها في اتجاه سيارتها الجاجور السوداء.
انحنى لها الحارس وهو يفتح الباب انحناءة خادم فخور بأنه ينحنى لسامية جمال.. انحنى راضياً مبتسماً لبهائها، بهائها الذي نبذنى كمجذب يجب نفيه وحرق روحه. لماذا احرقت روحى يا سامية؟
* * *
شربت أنا وسعيد ما أعتقد أنه كان نصف ليتر من البراندى الرديء وأكلنا كيس شبيسي من الحجم الكبير كاملاً، أما الترمس والفول فلم نستهلك إلا طبقاً واحداً.
كان سعيد كلما رفع حبة ترمس إلى فمه يفتح حنكة ويمد حبة الترمسة بين فلقتى شفتيه ويقشرها.. ولا أجد حرجاً لأقول أنى وجدت المنظر مقززاً خصوصاً في إطار الحالة الشعرية التى كنت أعيشها كشخص محبط شاهد حبيبته القديمة التى هجرته يسكر بالبراندى ويحرق السجائر، لذا فقد تحاشيت أن أطلب طبق ثانى من الترمس، مكتفياً بالسجائر لا أملك غيرها منذ غادرتنى سامية.
* * *
مشيت سكراناً من ميدان الأوبرا حتى شارع 26 يوليو ومنه إلى محطة الإسعاف، وبجوار الكنيسة الإنجلية جلست وبكيت.
سألني استفان "وما الذي تريده؟ " وبلا تردد جاوبته "أريد أن أقابل الملك." كان الوقت يتجه نحو الغروب، جالسين في مطعم وبار "الباب" بالزمالك على إضاءة خافته من ضوء الشمس؛ توقفت الشوكة في منتصف طريقها لفمه ونظر لي مدققاً ثم أدخل الشوكة والمكرونة الاسبجاتى ملفوفة عليها "الملك مين؟ "
مفيش غير ملك واحد ياعم استفان-
كعادته أخذ يمضغ الطعام ببطيء، ثم تناول المنشفة وجفف شفتيه من أثر الصلصلة."هحاول... مقدرش اوعدك بحاجة، لكن هحاول"
مددت يدي متناولاً علبة السجائر، أخرجت واحدة وأشعلتها ونفثت الدخان في الجهة اليمنى، وهززت رأسي لأسفل وانا اخرج السيجارة من فمى بمعنى أنى سأنتظر. نظر هو لطبق الاسبجاتى الذي تبقت بقايا قليلة فيه، ونظرت أن لطبق الباشميل خاصتى الفارغ، ثم التفت لي "نطلب بيرة بقي صح؟"
الخميس قبل الماضي ذهبت إلي إستفان في شقته بعد انتهاء العمل، دققت يد الباب المعدنية، ففتح لي مرتدياً قميص أبيض وبنطال قماش بنى اللون وفوق كل ذلك معطفي حريري منزلي مشجر.
صافحنى وقبلنى على وجنتى، ثم أشار إلي زجَاجةِ الشافيز الموجودة على الطاولة،"أعمل لك كأس على ما أخش الحمام" .
صببت لنفس كأس كبير نسبياً كالعادة بدون ثلج، ولا ماء. أخذت رشفة وشعرت بالتقلصات المعتادة على لسانى وفي أعصابي، فأخرجت سيجارة وأشعلتها بالكبريت، أخذت نفس وأخرجته ثم رجعت بظهري للوراء. في مقابلي كان هناك لوحه لاستفان رسمها له عادل السيوي، وتحتها على كومدينو صغير كان هناك صورة له بالأبيض والأسود موضوعة داخل إطار خشبي راقي وقد كتب على حافتها "حبيب قلبي.. أستفان روستى، بين نهدي وفي قلبي دائماً" ثم آثار شفاه باللون الوردي فوق كل ذلك.
الشقة كلها كانت عبارة عن تذكارات من هذا النوع، لكن معظمها بالطبع تذكارات قديمة تأخذ شكل التاريخ أكثر من شكل الفتنة، وهو ما يجعل المكان في النهاية يعكس صورة واضحة لمنزل زير نساء عجوز مضي عنه الحب ولم يعد هناك سوى آثار قديمة لطلاء الشفاه
خرج استفان من الحمام، وفي فمه سيجارة في بداية اشتعالها جلس بجواري "كيف الأحوال؟!" أخذنا في الحديث لكن لم يمض أكثر من ربع ساعة حتى رن جرس الباب، قام إستفان ليفتح الباب.. ومن مكاني سمعت صوته يرتفع "أهلاً.. أهلاً.. شفيق، أنت فين يا راجل" ثم ارتفع صوت ضحكات ميزت منها صوت استفان وصديقه الذي دخل الصَالة لأجده عجوز أخر كبير السن وإن كانت تجاعيد وجه أكثر عنفاً وكبرياء خصوصاً مع شكل وجه المستطيل وذلك الشنب الأبيض الرفيع الذي يغطى شفتيه، فوق كل ذلك كان يرتدي جلباب رصاصي طويل، وفوقه عبائه سوداء... بدا مهيباً فوقفت ومددت يدي إليه وقدمه استفان إلي "عمنا شفيق نور الدين.. عمنا كلنا، وأستاذنا طبعاً"
-استغفر الله يا عم استفان
مضت الجلسة بشكل طيب، سجائر وويسكى وأكواب شاي، شكوي من الزحام، حديث عن المسارح والقديمة.. سلامات سلامات، طيبون طيبون؛ لكن لم يخفي عليا هذا الرابط القوى المستتر بين شفيق واستفان.
* * *
بعد ذلك قابلت استفان في منتصف الأسبوع جلسنا كالمعتاد في قهوتنا المطلة على ميدان التحرير، كانت الساعة الثامنة ليلاً تقريباً، في منتصف الحديث سألته:
-أخبار شفيق نور الدين أيه؟
نظر لي إستفان من فوق لتحت مقلداً شفيق في فيلم المومياء لشادي عبد السلام بشكل دقيق ومدهش جدا، فنطقنا نحن الاثنين في صوت واحد "أهذا عيشنا!! " وكالعادة انفجرنا من الضحك معاً
* * *
الخميس الماضي، سهرنا نحن الثلاثة في "شامبنيا كلوب"، بجوار فندق "الكوزمبلتيان" في الخمسينات والستينات كان "شامبنيا كلوب" هو المكان المفضل لدي استفان حيث كانت ملكيته تتبع صديقه أجنبية له.
حكى لي استفان أن دخول المكان كان يتطلب أن تدفع تذكره تقترب من 30 قرش، وهو ما يقارب وقتها زجاجة بيرة، كما كان هناك فتوة ضخم يدعى عنتر يقف في مدخل البار، لكن لعلاقة استفان بصاحبة المكان، كان دائماً لديه تصريح بالدخول مجاناً باستمرار، وفي أثناء حكايه ذكره شفيق نور الدين بالصندرة؛ حيث كان المكان واحد من أشهر أماكن تجمع الألجروسنات وفتيات الخدمة العاملات بإخلاص في سبيل البهجة بحثاً عن النشوة والمال، لكن ما أن يقترب بوليس الآداب الذي أخذ في النشَاطِ في عهد عبد الناصر من المكان حتى يضغط عنتر على الجرس الأحمر ويعلو صوت الإنذار دَاخل المكان، فتصعد الفتيات في صندرة علوية ويرفع السلم الذي صعدن عليه وتُسحب الستائر، فلا يبدو شيء..
يدخل البوليس فلا يجد أى أثر للممنوعات أو الفتيات.. لكن كل هذا لم يعد له من آثر و"شامبنيا كلوب" أصبح بار ضئيل بلا صندرة ولا سيدة أجنبية ولا فتيات بينما توقف بوليس الآداب عن مُطَاردة أنشطتة وسلم ملفه لشرطة السياحة التي تبتز جميع العاملين فيه باستمرار
وبهذه المناسبة بمكر ذئب عجوز، اقترب استفان من الطاولة... وقال، وهو يمسح شفتيه بأصابعه "مرة كان فيه ست كل يوم بتنام مع جوزها، كل يوم كل يوم، فالراجل في الأخر تعب، ومش عارف يعمل أيه معاها، فقال لها خلاص احنا هنعمل تسعيره.. 200 جنية على السرير، 100 جنيه على الكنبة، 50 جنيه على الأرض... المهم تانى يوم جت الست ومعاها 200 جنيه وراحت لجوزها فقال لها:
-عايزه واحد ع السرير..
فقالت:"لا اربعة على الأرض".
نياه نياه نياه، انفجرنا نحن الثلاثة في الضحك، وأخذ شفيق نور الدين يسعل في عنف من الضحك، وأنا اردد بين نوبات الضحك "جامدة.. أنت رهيب يا عم استفان"، هدأ ضحكنا قليلاً، ورفعت زجاجة البيرة لشفتى بينما شفيق يستعيد تنفسه وأخرج منديلها يمسح سعاله، كان يرتدي هذه المرة بدلة كحلية وتحتها بلوفر أحمر للوقاية من البرد، التفت بعينيه لاستفان وهو يدخل المنديل ثانية لجيبه:
-مارى مريضة جدا.. استفان
-ماري مين؟
-ماري منيب... استفان، أظن عيب جداً كدا أنتم ناس كبيرة وبقالكم كدا اكتر من 10 سنوات متخاصمين، ماري مريضة استفان، الطبيب منعها من شرب الكحول ومع ذلك فهي تشرب البراندي كالمعتاد قبل بداية العرض كل يوم
سكت استفان وأخذ يحرك كأس النبيذ الموجود أمامه بدا شارداً يحاول تذكر نكتة أخري حتي يغير مجري الحديث ويصرف شفيق عن حديثه، لكن شفيق اقترب منه ووضع عينه في عينيه
-استفان أول امبارح في مسرح الريحاني ماري بصقت دم وهى على المسرح... ماري مريضة استفان بلاش نشفان دماغ
التفت له استفان مستنكراً:
-أنا اللى دماغ ناشفه يا شفيق، ولا هي اللـ...
قاطعة قائلاً:
-سيبنا من الماضي خلاص، المهم دلوقتى العشرة مش معقولة تتنسي كدا.
ثم هزه من كتفه، "استفان بقولك ماري مريضة"، خيل لي أن دمعه كانت في عيني استفان في مكان ما، ربما خيل لي، ربما كان استفان يبكي حقاً.
الأحد المَاضي التَاسعة صبَاحاً أعبر من 26 يوليو إلي العتبةِ. من هنا لا أحفظ أسمَاء الشوَارع لكني أعرف مكَانها. بشكلِ مُنتظم ومنذ أول رمضَان ونحن نُحَافظُ على مَوعدنا الذي يكون غَالباً في صبَاحِ الأحد أو الأربعَاء. من ميدَانِ العتبة تَتفرع الشوارع والدهَاليز حتي أصل إليها "بورصة برج العذراء" مقهى وبَار صغير، بَابه الصفيح نصف مُغلق والنوافذ مَقفوله بالتأكيد، لا أعرف كيف نجا مثل هذا المكان من سيَاقه التَاريخي والمكَاني.
مقهى وبَار مفتوح طوال السنة حتى أثنَاء الشهر الفضيل الذي فيه تُصفد الشيَاطين وتُمنع الخمر من البيع وتُغلق المقَاهي بالنهَارِ، لكن برج العذرَاء يعرف زبَائنه جيداً الذين يحضرون له خصيصاً عَارفين أنه المكَان الوحيد في نهَارِ رمضانِ الذي يَفتح زراعيه وما بينهم من خمر وبوظه وبراندي.
عرفت إستفان منذ حوالي عام في نفس هذا التوقيت، تعرفنا علي بعض من خلال علاقات العمل، ثم بعدها تَوطدت الصدَاقة بيننا، بالطبع قبل ذلك كنتُ أعرفه من خلال التلفزيون والأفلام التي شَارك فيها، حينما كنا نَسكر مع بعضنا البعض كنتُ أمَازحه بتقليدِ طَريقته في نطقِ عبَارات مُعينة كأن أقول له "نشنت يا فالح" فننفجر نحن الاثنين في ضحك متواصل.
في ليلة عيد ميلاد النبي أخذت أنا وهو نبحث عن أي بَار من بارات وسط البلد يقدمُ الخمورَ لكن جميعها كان مُغلق حتى المحلات، انتقلنا لبارات الزمَالك حيث يسكنُ، لكن نفس الأمر كانت تعانى منها، حينها وضع يده علي كتفي وقَال لي:
-خلاص يا هبيبي مفيش أدمنا دلوقتى غير برج العذراء
لم أكن أعرف برج العذراء وقتها ولم يسبق أن سمعت بمكان بهذا الاسم لكن من فوق كوبري 26 يوليو أخذنا تاكسي وذهبنا إلي العتبة ومن العتبة دخلت لأول مرة لبرج العذراء مع إستفان روستى.
* * *
الأحد المَاضي التَاسعة صبَاحاً أعبر من 26 يوليو إلي العتبةِ. البَار غَالباًَ يَعود إلي زمن الخمسينات وله طَابع شعبي مُتَقشف، مسَاحته ضيقة يتكون من مصطبتين وعدد من الحصائر الْمفروشة علي الأرضِ، جلسة الزبَائن أما علي المصطبة أو الحصيرة. هنا لا توجد بيرة. المشروب الرسمي هو البوظة. تقدم في كوز بلاستيك، الكوز الواحد بجنيه، بجوار البوظة هناك للقادرين علي الدفع زجاجات براندي صغيرة ثمن لتر. أما المزه فهناك الفول النَابت والفول الأخضر الحراتي وسميط وجبنة وطماطم وجرجير.
استفان كان يشرب براندي معصور عليه ليمنوتين وأنا كنت أشربه بلا أي إضَافات وفي أحياناً قليلة كنت أشرب البوظة التي كان يرفض أن يشَاركني فيها لأن مَعدته لم تعد تتحمل.
قبل رمضَان بحوالي شهرين، وضعوا فوق البَار تلفاز ضخم، موصل بوصلةِ دش، معظم الوقت مفتوح علي قنوات الأغَاني أو مُبَاريات كرة القدم.
* * *
الأحد المَاضي التَاسعة صباحاً أعبر من 26 يوليو إلي العتبة. أنحنى بقَامتي حتى أدخل من البَابِ، ما أن أدخل حتى أجد استفان ببدلته الرمادية الأنيقة جالساً علي المصطبة في فمة سيجارة وفي يمينه "تمن براندي" بينما جلس عن يساره رجل أخر بدا صديقة وبدا في أوساط الأربعينات. ألقيت السلام فوقف لتحيتي وتقبيلي، ثم مددت يدي لأسلم علي صديقِه الذي بدا مَألوفاً. فقَال وهو يعرفنا ببعضنا البعض ((أحمد شاب يعجبك خالص، لطيف جدا... توفيق الدقن واحد من ولادنا الجمال خالص)) فضلت الجلوس علي الأرض بجوارهم، وطلبت تمن براندي.
تحدثت مع توفيق الدقن عن عمله وعملي، وسببنا نحن الثلاثة في الشهر الفضيل، وتذكر استفان أن الأمور لم تكن تسير بهذه الطريقة في زمنه، وأنه لا يفهم لم تتوقف دور العرض السينمائي عن العمل، وذكره توفيق بأن رمضَان كان موسم فني مثل الصيف وعَلقت أن حديثهم ممل ويشبه حديث العجَائز، طلبنا مزة وأخرجت علبة السجَائر الكيلوبترا، أخذ توفيق واحد ورفض استفان مُفضلاً سيجَارة من علبته الميريت الصفراء. في التلفاز كان هناك أغنية ليسرا ترتدي فيها فستَان أحمر وتغني وهي ترقص ((جت الحرارة/ في قلوب العذاري/ البيض الآمارة دبلوم التجارة/ ألووو../ يا أختي))
امتدح تَوفيق الدقن مُسَلسل حدَائق الشيطَان، وعقب إستفان بأن سُمية الخشبة ((قُنبلة معاليك)) وضم أصَابعه وقبلها وهو يضحك ضحكته الّمُميزة. جميلة هي ملامح إستفان هكذا قلت لنفسي وأنا أتأمل ضَحكته التي شَاركه فيها تَوفيق وهو يَضحكُ مُرجعاً رأسه للخلف. كانت ذقن إستفان نابته بعض الشيء، ومن مكان ما بصيص من الضوء كان ساقطاً عليها لذا فقد بدا بعظامه البارزة وأنفه الحاد مع الذقن النابته كملاك. ((جت الحرارة في الخط المقسم/ الرئة المسمسم تضحك له يتبسم/ يا أختي )) هدأ ضحكنا واستمرت يسرا في الرقص علي كلمات كوثر مصطفي. وعلي ما يبدو فتقريباً كنا قد سكرنا، ((جت الحرارة/ يا بادبادو/ السكر ماله مادوبتوا/ جت الحرارة/ يا بادبادو/ غسلي قلبي بالشامبو)) ومع الموسيقي والإيقاع وصوت يسرا أخذ توفيق يخبط بكف يديه علي فخذه وهو يهز رأسه، بينما استفان يهز رأسه للأمام وجسمه يرقص في إيقاع متزن بالطبع... ما الذى يمكن توقعه من رقص وايقاع جسد زير نساء سابق وراقص تربية ملاهي النمسا وإيطاليا ((وآه.. من أيه؟/ سبلي ابن الأيه/ أنا بنت عادية/ أنا مش مادية/ ناداني وهعمل أيه..)) أوووه وقف استفان علي قدميه وأخذ يرقص علي النغم بايقاع ساحر يحرق قدمية بتناسق مع زراعيه مع حركة وسطه والجميع ينظر له ويبتسم ((جت الحرارة... )) وقف الجميع وقد أخذ يرقص معه مساطيل من البوظة يهتزون في ايقاع شعبية مصرية بينما هو يحافظ علي ايقاع لحن الأغنية الأوربية بجسده، تبسمت أنا وتوفيق لبعضنا البعض ونحن ننفس دخان سجائرنا ونشاهده. وحين انتهت الأغنية صفقنا نحن الاثنين معاً بينما هتف توفيق ((حلاوتك ياآه يا آه))
قبل اكتشَاف برجَ العذراءِ كنت مَفتون بشكلِ لا يصدق بدخولِ المقَاهي التي تَفتحُ في رمضَانِ، حيث النوَافذ مُغَلقة والأبوَاب نصف مَفتُوحة والنَاس سَارحة مُتألقة وسحَابة من الدخَانِ يَسترخي عليها آله الكسل الأعظم. لكن في حَالةِ البَارات التي لا أعرف منها سوي بُرج العذرَاء فالسحر مُضَاعف عَشرة مرات، أنا هنا أسبح في برجِ العذرَاءِ في رخَاءِ الكسل خَارج الزمن مُسترخياً علي سحَابةِ الدخَان والبراندي بصحبة تَوفيق الدقن واستفان روستي
Recent comments
5 hours 32 min ago
6 hours 55 min ago
6 hours 57 min ago
16 hours 55 min ago
17 hours 58 min ago
18 hours 19 min ago
1 day 3 hours ago
3 days 9 hours ago
4 days 8 hours ago
6 days 8 hours ago