عيش كأنك تلعب
أشار الحوت الأحمر برأسه إلى زجاجة الروم الموضوعة بينى وبينه على الطاولة، فمددت يدى وصببت الكأسين. رفع كأسه وشربنا دون أى نخب.
أشعلت سيجارة، بينما بدأ هو الحوار وسألنى "أيه الأحوال؟" فأخذت أحكى له كل الحكايا ذكرت له بعض التفاصيل، وأخفيت البعض لا بغرض تجميل وجهى أمامه بل لغرض المحافظة على أسرار الآخريين.. وحين انهيت كلامى رفع كلاً منا كأسه وشربنا الكأس الثالث.
نظر هو من النافذة ثم تحدث بصوته الخافت الثقيل "تعرف، أنا لدى الكثير من العيوب، لكنى لا أظن أن الكذب إحداها، لا أعرف كيف يمكنك أن تتحمل وطأة هذه الخطيئة على روحك... ثم لماذا تخدع الآخريين؟
أحب أن أعترف أنى أحب الحوت الأحمر وأقدره جداً، لذلك فقد كان حديثه لى بهذا الشكل مؤلماً، وأخذت أتجادل معه لوقت طويل، لكنى في النهاية صارحته وانا شبه سكران " عزيزى الحوت اسمح لى أن اسأل سؤلاً.. لماذا نقول الحقيقة؟ ولماذا يجب اعتبار الصدق فضيلة والكذب خطيئة؟ افرض أنك قابلت مجنوناً يؤكد أنه خروف. وأننا خرفان ضالة. هل ستخوض أى نقاش معه؟ هل ستخلع ملابسك أمامه لتثبت له أنك ليس لديك فرو ولا ليه وبالتالى ليس من الممكن أن تكون خروف؟ هل ستقول له الحقيقة وتتحدث معه بشكل جدى..”
هز الحوت الأحمر رأسه ورمى طفي سيجارته في منفضة السجائر، وظل صامتاً فأكملت حديثي "إذا قلت لهذا المجنون الخروف الحقيقة، إذا أخبرته أنه مخطأ وأننا لسنا خرفان، فهذا يعنى أنك راض عن خوض نقاش جاد مع مجنون، وهو ما يعنى أنك أيضاً مجنون. بالنسبة لى فكل الناس الذين يحيطون بنا مثل هذا المجنون يعتقدون أننا خرفان ضالة، وإذا كنت سوف أخذ كل ما يقولنه على محمل الجد واتعامل معهم بجدية وأخبرهم بالحقيقية فهذا يعنى أنى سأصبح مجنوناً مثلهم، لذا علي أن أكذب وأن ألعب حتى لا يعتبرنى هؤلاء المجانين صادقاً أو شخصاً جاداً وإلا سأغدوا أنا أيضاً مجنوناً.”
نفثت دخان السيجارة في وجه، ورفعت بقية الروم المتبقي في قاع الكأس إلى فمى والقيت بنظري أنا الآخر من النافذة
الحقيقة أنى أحبهن، أحبهن كلهن، ماذا أفعل لكن لا أتخيل نفسي من غيرهن، لا أتحدث عن الجنس وأن كانت بالطبع لا أمانع وجوده... لكنى أتحدث عن شيء أكبر من ذلك أتحدث عن الحياة الإكتشاف تخيل أن تكون قناة ديسكفر تشنيل تستكشف كوكب الأرض بكل جباله وهضابه وسهوله وتنوعاته أنها الحياة متعة اكتشاف لا تنتهى عزيزي الحوت الأحمر.
-لكن ما تفكر بها نوع من الثقل الذي سيجذبك للأسفل ويمنعك من التحليق، بإختصار أنه كيتش ساذج، وأنت قضيت فترة طويلة تحاول الهروب من الكيتش
وليكن، قليل من الكيتش بين وقت وأخر لن يضر..
-فقط أوصيك بالحذر، أجعل حقيبتك خفيفة، وقدمك أخف، ولا تؤذي أحد، مثل عصابة الرداء الأبيض في مسلسل البكومون.. احب الخير لكل الأطفال وازرع الورود في كل مكان، وتمتع بالخراء والكيتش.
بصق علي الأرض، فتح الباب وخرج وهو يتمتم "ابن عبيطة، خليكى لما يطلع دينك" وصفق الباب خلفه في عنف
1
"الأوطان عموماً أسماء مؤنثة"؛ هكذا قال الحوت النمساوي وهو يشعل غليونه بعود الكبريت ثم ينفخ فيه ليطفئه ويلقي العود من النافذة. كنا ندخن واقفين في الممر الفاصل بين عربات القطار، مُتجهين إلي الإسكندرية لحضور محاكمة عبد الكريم، "استخدم الوطن بصفته أنثي يعطى الوطن مساحة أكثر من الرحابة، تمتد ما بين الأم والحبيبة والعشيقة ذات الجسد الخصب" أكمل كلامه، ثم بصقت أنا من النافذة وقد تذكرت فجأة سمير الإسكندراني دون أى سبب.
2
إيزيس التي كانت رمز لمعني كلمة مصر بصفتها مَانحة الحياة لحورس الصغير وجامعة أشلاء أوزيريس الكبير، كانت ترسم في أكثر من وضع، واحد من أشهر تلك الأوضاع هو وضع الرضاعة حينما كانت ترضع الصغير حورس،
في هذا الرسم، لا تبدو إيزيس أم ساذجة بقدر ما هى أنثي تمارس دور الأمومة بنوع من الإغواء، في بعض الصور التي تصور إيزيس في وضع الرضاعة نجد أن عيونها لا تنظر لحورس الصغير ابنها، ولا لأوردة صدرها التي تمنح حورس الحياة، بل تنظر بعيداً نظرة منكسرة تليق بإمرأة طروب كأنما تبحث عن عشيق.. تبحث عن رجل لتتشرمط عليه.
ببساطة، إيزيس أنثي مهضومه، امرأة جميلة، آلهة يتسابق الرجال والآلهة لرضاها، مات زوجها وحملت بابنه ولأنها مقدسة فلم يكن باستطاعتها أن تفكر في الزواج بعد أبو حورس، لذا فقد كتمت نارها في صدرها، وحاولت أن تتظاهر بأنها أم صالح لكن من فترة لأخري كانت عيونها تفضحها حينما تتسرب منها تلك النظرة... نظرة أم لبوة.. نظرة مصر اللبوة.
3
يعتبر الخوف واحد من الغرائز الأساسية المحركة للإنسان وللإنسانية بشكل عام، البحث عن كهف للاحتماء من الطقس والبرية وما تعج به من حيوانات هو أحدى مظاهر هذا الخوف.
يبدأ الإنسان الأول بالاستقرار بجوار مصادر المياة، يمر الزمان فيكتشف النار والزراعة والمعادن وكيفية تشكيليها، يتحول الفرد من كائن واحد إلي كائن زوجي مع أخرين.. تتشكل المنظومات الإجتماعية كالأسرة والعائلة والقبيلة، بعض عدة عقود نجد قطعة أرض لنفرض أن مساحتها 10 كيلومتر قد صارت ملك لقبيلة واحدة.. ظهرت الملكية بين أفراد القبيلة الواحدة وبدأت الخلافات على حدود الأرض ومواقيت الري بين سكان مساحة الـ 10 كيلومتر.
وطبقاً لمنطق الطبيعة يفرض الشخص الأقوي ((الذي يمتلك فائض اكثر من المواد الغذائية تمكنه من التحكم في قوت أكثر من فرد وجعلهم أتباع له)) سلطته على الجميع، وبتعاون معه بالطبع الآخرون أصحاب مراكز القوي الأقل.. تنشأ الأعراف التى يتم اللجوء إليه لحماية الملكية، وتنشأ التقاليد التى يورثها الأباء للأبناء للحفاظ على تماسك المجتمع من خلال مجموعة الروابط التي تربطه، في النهاية تظهر الدولة مع التوسع، وينشأ القانون.
الأعراف والتقاليد ثم القانون هى حوائط الصد التي يبنيها المجتمع للدفاع عن منظومته، وتركيبته الإجتماعية، الأعراف تقول "احترم الكبير- اطع والديك- الرجال قومون على النساء" هذا ما تقوله الأعراف، ومن خلال هذه الجمل التربوية البسيطة، تزداد سلطة الرجال في مقابل النساء، ويزداد رسوخ منظومة الأسرة كوحدة للمجتمع بشكلها الغير ديموقراطي الذكوري... يظل الوضع على ما هو عليه ولا شيء يتغير، مزيد من الخراء على طول الخط
4
الخوف من المستقبل، لا يعنى فقط الخوف من التلوث النووي أو تضائل المواد الغذائية أو المساحة الخضراء، بل يعنى أيضاً الخوف من التغيير وتبدل الواقع.... يشمل هذا التغيير، تغير الأفكار الموروثة عن الآباء، تغير اللغة تغير الطقوس اليومية، تغير الأفكار والصور التي تشكل في تناسجها معاً ما يمكن أن يعرف باسم الهوية.
في اعتقادي أيضاً أن فكرة هوية المجتمع تلك، هى فكرة خَادعة ووهمية ولا يمكن إثباتها مشكل محسوس ولا عن طريق التجربة، لكنها موجودة وبقوة فكل فرد طبقاً للطبقةِ والأقلية التي ينتمي إليها لديه تصور ما عن فكرة الهوية، وهو مُستعد أيضاً للدفَاع حتى الموت عن هذه الهوية. الشاب الغني بالجامعة الأمريكية ابن القيادى السابق بالإخوان المسلمين لديه تصور أن مصر ذات هوية إسلامية، والطالب القادم من قرية مجهولة يعمل بالنشاط الزراعى ويدرس بأحد الكليات الأزهرية لديه أيضاً تصور عن الهوية الاسلامية لمصر.... لكن فرق شاسع بين تصور الأول وتصور الثانى مثلما تختلف صور الهوية من طبقة لأخري.
لكن كل هذه الطبقات والأفراد تربطهم مجموعة من الصور المشتركة التى تحدد تصورهم عن مصر مثل: ألوان العلم المصري، النشيد الوطنى، الإسلام، الحجاب، عبد الحليم حافظ، الشيخ الشعراوي، الأهرامات، المآذن، الكنائس، نهر النيل ... إلخ إلخ
هذه الصور تتبدل بمعدلات بطيئة بين فترة وأخري لكن هذا التبدل والتغير في أفكار المجتمع وصوره عن ذاته، يحدث بشكل بطيء متمهل، لأن أى محاولة لتغيره بشكل عنيف تكون غالباً ذات عواقب وخيمه، ما عدا طبعاً لو كانت محاولة التغيير تتم من خلال منظومة السلطة في ذلك المجتمع بمعني أن يقود عملية التغير تلك أصحاب السلطة المدنية"الحكومة" أو أصحاب السلطة الدينية.. وحتي في تلك الحالة فالمسألة لا تحدث بسهولة.
5
"أنا رجل بسيط جداً عزيزى الحوت... من الطبيعي أن أكون جباناً" قلت ذلك للحوت، وأنا أضع ساقاً فوق ساق مبتسماً ابتسامتى الباردة.
بصراحة لم تكن باردة، بل كانت واقعية جداً... لا يمكنني بالطبع أن أتضامن مع عبد الكريم وأى نوع من التضامن مع عبد الكريم وهو وقوف بلا جدوى أمام الطوفان.. كريم أصر على التعبير عن أفكاره وعن نفسه، وطمح بسذاجة إلي محاولة تغيير صورة هذا المجتمع عن نفسه لكنه لم يكن مُحصناً لا بسلطة دينية أو سياسية لم يكن يملك أكثر من صوته... لذا من الطبيعي أن يدهسه المجتمع.
الأمر ليس لعبة، ولم يكن أبداً كذلك... البعض طبعاً من المنحازين لحرية الرأي والتعبير يرون أن الحكم على عبد الكريم بالسجن يمثل نوع من انتهاك حرية الرأى والتعبير والقمع السلطوى؛ وماذا تريدون أن يحدث؟!
لو أخذ عبد الكريم البراءة فسوف يتم ذبحه، بالمعني الحرفي للكلمة، عبد الكريم لا يمكنه السفر للخارج وهو مطلوب للجيش وتحول مع كل ذلك إلي رمز للكفر والإلحاد والعمالة لأقباط المهجر.. تخلى عنه والده وأسرته وأهل شارعه.. ماذا يفعل شخص كهذا إذا أخذ البراءة؟!
في الحقيقة لن يفعل أى شيء سوف يتم ذبحة وإلقاء جثتة في أى مصرف كالكلب، نفس الخطر سيواجهه كريم في السجن وإن كنت أعلم أنه يخضع للحبس الإنفرادي، لكن هل من الممكن أن يقضي أربع سنوات في حبس انفرادي؟ هذا يعني أنه سوف يفقد عقله تماماً ليصبح أكثر جنوناً مما هو في وضعه الحالي.
"تعرفني عزيزى الحوت... أنا شخص برجماتي جداً، والقضية قضية خاسرة، حسناً أعرف أن هذا يعني أن الدور ربما سيكون عليا بعد ذلك، لكني في كل الأحوال سأحول حماية نفسي أخذاً بمبدأ التقية، وإذا حدث نفس الأمر لي فلن أزعل... هذه هى الحياة .. قاسية، لكن ماذا نملك لنفعل؟"
6
تقول الأسطورة أن عادل أدهم دخل إلي أحد المقاهي يرجح، أنه كان مقهي الفيشاوي، جلس أدهم مع عدد من أصدقائه وبجوارهم مجموعة من الشباب، واحد من الشباب ما أن رأي عادل أدهم حتي بدأ في تقليد حركاته وكلماته وإضحاك أصدقائه كل هذا وعادل أدهم غير مهتم وكأن لا شيء يحدث؛ بعد فترة انهى عادل أدهم جلسته، أعطى الحساب للنادل ثم اتجه لطاولة الشباب ومال في اتجاه الشاب الكومدياني، وبلهجته المميزة قال له "علي فكرة يا حبيبي .. ماما لبوة مش كدا.... نياه نياه نياه" في الحقيقة كان عادل أدهم معه حق، ماما "مصر" كانت ولا تزال فعلاً لبوة.
7
بالنسبة للفرد العادي تمثل الجماعة والوطن الحضن الأمومى الذي يمكنه دائماً الاختباء فيه، لكن في مرحلة ما يبدأ الواحد لأي سبب من الأسباب في اعتناق أفكار ورؤى مُختلفة عن تلك الأفكار التي تحصد إجمَاع أفراد المجتمع.. ما الحل إذن في حالة كتلك؟
في اعتقاد الخاص أن كل ما يملكه الواحد في حالة كتلك هو أما الهجرة والبحث عن مجتمع أخر لديه أفكار قريبة من تلك التي يعتنقها الفرد، أو أن يحاول الواحد خلق مجتمعه الخاص بصمت وهدوء ودون اللجوء إلي محاولة الصدام مع المجتمع، مع ملاحظة وضعك الطبقي ومقدار ما تملكه من سلطة.. مثلاً هناك فرق بين واحد مثلي جنسياً ويعمل صبي ميكانيكى، وأخر يعمل وزير في الحكومة أو يتقن خمس لغات ويعمل بالإخراج السينمائي.
كان لا يزال الباب يفضل بيننا فحملت قبعتى، و ارتديت المعطف فالجو حار في الخارج، أشرت له أن يتفضل حيث خرجنا للحديقة، تمشينا في صمت، إلي أن جلسنا على مقعد حجري في الحديقة حيث كان بإمكاني بطرف عيني أن أري قروحه و الخدوش التى تركها على جسده الطريق من أثر السفر.
حادثته بشجن كيف أن كل شيء مثلما كان للأبد نفس الأغنيات، نفس الروايات، نفس اللذة من إمساك نهد أى فتاة، نفس الأفكار، نفس الطوائف و الأديان، حتي هذه الشكوي التي أقولها له هى نفس الشكاوي القديمة.
و قف من على المقعد الحجري و زحف بجسده اللامع الشهواني، أشعل سيجارة و أخذها منها نفس ثم ببساطة قال : ((كل ما تحتاج إليه هو مرتب شهري من لا يقل عن 1200 جنيه، و ستصبح سعيداً لتري كل الأشياء جديدة)) بصق السيجارة على الأرض
Recent comments
5 hours 29 min ago
6 hours 52 min ago
6 hours 55 min ago
16 hours 52 min ago
17 hours 56 min ago
18 hours 16 min ago
1 day 3 hours ago
3 days 9 hours ago
4 days 8 hours ago
6 days 8 hours ago