عيش كأنك تلعب
Rogers booktrailer from Gesualdo Porres on Vimeo.
المقالالتالي يحمل عنوان "خارجالكادر السينماوالجزمة وأم الدنيا!" وقد نشر في جريدة النهاراللبنانية يوم 26 تشرين الثانى (باللغة العربية نوفمبر)وهو للكاتب السينمائى البارز هوفيك حبشيان. رغم أن المقال لا يخلو من "الألاطة" الشاميةالمعتادة، إلا أنه مثل كل مقالات حبشيان عمل إبداعي يستحق القراءة. ننشره هنا،للتأكيد والتوكيد، والتعميد. لا أختلف مع أى فكرة قدر وردت في هذا المقال. ننشرههنا للتاريخ والذاكرة... واكتب يا تاريخ
مباراة كرة قدم تعيد بلدين افريقيين الى أزمنة قديمة.وتحديداً الى فجر الانسانية، ذاك الذي صوّره ستانلي كوبريك في افتتاحية فيلمه"2001" حيث نرى مجموعة غوريلات ضخمة (آباؤنا البيولوجيون بحسب داروينونظرية التطور التي تعتبر اننا والقرود من اصل واحد) تكتشف للمرة الاولى قطعة عظم،فتجد فيها أداة صراع، فتمسكها وتنهال بها ضرباً وتقاتلاً من دون غاية سوى إثباتالوجود. ثم يُرمى العظم في الجوّ، ليتحول هذا السلاح تدريجاً قلماً، في لقطة يمكناعتبارها اطول اختزال زمني في تاريخ السينما. وبذا، تدخل الانسانية مرحلتهاالحديثة: يكتشف الانسان انه قادر على غزو الكواكب الاخرى بعقله، وايضاً بمشاعرهالآدمية. لكن، يبدو اليوم أن هذا الاختزال، او هذا الانتقال بين عصرين، لم يحصلبعد، ولن يحصل أبداً، في بلدان كثيرة من هذا العالم.
لسنا معنيين بما صرح به فلان من أهل السياسة على هذه الشاشةأو تلك. فمعظم هؤلاء مدانون ومخططاتهم واضحة. لكن ما يبعث على القلق في القضية انهذا الصراع الغوغائي البائس والخاسر سلفاً، اسقط الأقنعة عن وجوه الكثيرين. وحسناًفعل. مرة أخرى: ليس أقنعة السياسيين ورجال ما يسمّى "الاعلام"، انماالأقنعة التي يلبسها أهل الفن في بلد كانت فيه السينما، ذات زمن غابر، مفخرةللعالم العربي، قبل أن يتحول في قسمه الغالب مهزلة.
بصراحة، لم أرد في البدء الكتابة عن تصريحات بعض من يعتبرونانفسهم قدوة لمجتمع بأكمله. خشيت أن أزعل اصدقاء لي وأناساً أحبهم في هذا البلد،على رغم انهم لا يفرقون كثيراً بين النقد والشتيمة، وبين الحقد والملامة. لكن، حجمالاستفزاز كبير، والاهانة لا تقاس، وهي موجهة اليهم والينا والى هؤلاء الاصدقاءكذلك. لذلك استدرجنا. الأهانة كبيرة وخصوصاً للمهنة التي يزاولونها. بعض التصريحاتسمعتها مراراً، ولم ارد ان أصدقّ انها آتية من جماعة السينما والاخراج والتمثيل،ومن بلد يملك حضارة عمرها الآف السنين. فالسينما في الغرب أحدثت ثورات متعددةومستمرة في عقول الناس منذ 1895. ويفترض انها تبعث النور حيث الظلام، لا العكس.فمن هم هؤلاء الظلاميون؟ ومن هم الاشخاص الحقيقيون الذين يعملون في هذا المجال؟ أيفكر انساني يحملونه في عقولهم؟ الأهم من هذا كله، هل يستحقون فعلاً ان يعتبروا نخبةالشعب وأن يتم الاحتفاء بهم وبأعمالهم في المهرجانات والمناسبات الاجتماعية؟ بعدهذه الفضيحة، أقول ثم أقول: حتماً لا. فبعد ما سمعناه من كلام مخجل، في الأيامالسبعة الأخيرة على الفضائيات والانترنت، انتقلت المشكلة من كونها مع الفن الهابطفي مصر، الى كونها مع بعض صنّاعه. لا أقصد الذين صمتوا وخجلوا ولم يعرفوا أينيخفون رؤوسهم، من مثل الذين لملموا تواقيع من أجل عريضة منددة تدعو الى التهدئةوقبول الآخر، بل أقصد "الفنانين" الذين كان رأسهم مرفوعاً ساعة ناشدواالناس الذهاب الى القتل والانتقام.
•••
عادل امام كان زعيم هذه الجوقة. وما الذي تتوقعونه من فنانيتسامح مع اللقب الذي اطلق عليه؟ لقب الزعيم. هل الزعامة في بلدان التوريثوالشمولية شيء يرفع الرأس؟
أياً يكن، فهو لم يكنمضحكاً عندما قال: "مصر أم الدنيا. ويللي بقول غير كده حندوسو بالجزمة".كلمة الجزمة هذه استحضرت مرة أخرى على لسان فنانة يبدو انها كانت خارجة من حفل ختاممهرجان القاهرة السينمائي، فسألتها المذيعة ما رأيها ان المهرجان كان قد كرم قبلأيام معدودة السينما الجزائرية، فقالت ان "(هؤلاء) لازم نكرمهم بالجزم".أما المهرجان المذكور، فتحول في سهرة ختامه حفلا زجليا لتمجيد الشوفينية. أمسكفتحي عبد الوهاب جائزته أمام الجمهور، ونار العصبية تخرج من عينيه المرعبتينوأهداها الى منتخب بلاده.
في لحظة تعصب وعودة الى الغرائز البدائية، خلط الجميع بينالناس والسلطة والفن. الثلاثة كثيراً ما لا تجمعهم روابط الأخوة. لكن من منظارالفنانين الشوفينيين، يصبح هؤلاء الثلاثة في صف واحد. هل الأغنية او الكتاب أوالفيلم يمثل البلد الذي ينتج فيه؟ هل هي وجهة نظر الناس ام وجهة صاحبه قط؟ وهلالفرد يمثل المجتمع الذي ينتمي اليه وهو مسؤول عن أفعاله؟ وهل سينمائيون جزائريونمن أمثال طارق طقية واحمد راشدي ومرزاق علواش ومحمد لخضر حمينا مسؤولون عما حصل وينبغيمقاطعة أعمالهم السابقة والحالية والمقبلة؟ وهل مهرجان وهران مسؤول عن هذا كله، كييتحمل تبعاته، وتعاد اليه الجوائز التي ذهبت الى فنانين من هناك؟
الرأي العامفي الأيام السبعة الأخيرة صُنع تماماً كما يصنع الكشري. ولا يبدو ان أياً من هؤلاءالفنانين الذين تجاوزوا أدبيات الكلام بين الشعوب، يعي أن الفن ليس للبهرجةوالسهرات الاحتفالية والتقاط الصور، بل مجموعة قيم راسخة أهمها عدم اعتبار أيأنسان أفضل من الآخر انطلاقاً من جنسيته أو دينه أو ظرفه الاجتماعي. سمعنا أكثر منمرة في برنامج تلفزيوني تحريضي، يفتقر الى ابسط قواعد المهنية والموضوعية، كلمة"الجزائر دي مين، نحن علمناهم، ونحن عملناهم". حسناً. لو جاء هذا الكلاممن البسطاء الذين لا تأثير لهم في عقول الناس وسلوكهم، لابتسمنا قليلاً وقلبناالمحطة.
أما أن تقولها ممثلة(يسرا)، تنظر اليها الجماهير في 22 بلدا عربيا، على انها نموذج يحتذى به، فهذهمسألة يجب أن تجعل الكثيرين يعيدون النظر في مفاهيمهم. هل الكلمة اصبحت رخيصة وغيرمسؤولة الى هذا الحد؟ أعتقد ذلك.
لم تكتفالممثلة بهذا الحدّ، بل احتدت وتحدت وتوعدت الجميع بأن مصر ستكون المارد ولا أحديستطيع هزمها. وتابعت خطابها الانفعالي: "نحن هوليوود الشرق. نحن الثقافة.نحن البلد العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل. نحن لدينا كل شيء والآخرون لايملكون شيئاً، لهذا السبب يغارون منا. سينمانا عمرها مئة سنة. مين دي الجزائر؟ لاشيء! مصر هي البلد الوحيد المذكور في القرآن، وهي بلاد الله المختارة".
•••
في هذا الصراع العبثي، لم توفرالعنصرية أحداً من شرها. وترجمت أحياناً بالتهديد بالقتل: اذ ذهب "فنان"آخر الى أبعد من مجرد السبّة، مصرحاً بأنه اذا لمح جزائرياً في الشارع أمامهفسيقتله ويستشهد.
الهزيمة هذه فضحت ما كان يجب أنيُفضح منذ زمن بعيد. وتدحرجت الهالة الكبيرة التي فوق بعض رموز السينما المصرية.للمرة الاولى اسمع شتائم في حق هذه السينما على ألسنة الذين كانوا يفرشون أمامهاالسجادة الحمراء، في الأمس فقط. في مهرجان وهران مثلاً، ما كان يثير السخط هوالاهتمام المتزايد المعطى لنجوم السينما المصرية.
اليوم الجميع يتحدث عن تطبيع ومقاطعة وكلامكبير. لا المصريون يريدون الذهاب الى المهرجانات الجزائرية (أصلاً ليس هناك الاعدد قليل منها) ولا الجزائريون في نيتهم نسيان ما قيل عنهم من النخب الفنية،ويؤكدون أنهم لا يحتاجون الى مسلسلات وأفلاما من "بلد المليون راقصة".شيء مضحك أن يحتاج البعض الى مباراة كرة قدم ليهذب ذائقته الفنية فجأة. فهل يأتييوم يحتاج فيه الجزائريون الى مبارة أخرى مع مصر كي يقولوا لعدوهم الجديد أن ليسفي سينماهم الا 20 فيلماً تستحق المشاهدة؟
أياً يكن، تاريخ من الوهم والخطبالرنانة والقومية تنزلق على قشرة موز. ولا أحد يضحك هذه المرة!
1
الناس مكسورة أوى يا يحيى.الفريق اتغلب، واتضرب، والأتوبيس اللى كان راكبه محمد فؤاد كما صرح زجاجة اتكسر والزجاجالصغير وقع في عبه وكان بيشكه. دا كلام برضه، طيب مش كنت تأخذالكتاب بقوة يا يحيى
الخلاصة.احنا اتبهدلنا أوى يايحيي. خسرنا، واتضربنا، والناس نامت حزينة. وعدا النهار والمغربية فايته تداري وراالشجر، وبلدنا جالها نهار مقدرش يدفع مهرها. بس برده قول ورايا يا يحيى.. مصر هتفضل غاليا عليا، مصر هتفضل غاليا عليا
2
جريدة الشروق الجزائرية.واحده من الجرائد الجزائرية التى توزع أكثر من مليون نسخة، يعود ذلك إلي قلة وعدمتنوع المصادر الإعلامية للجزائر التى لا تتجاوز الخمس قنوات الفضائية في مقابلقمرين صناعين لمصر بسلطتهم وبابا غنوجهم.
الجريدة مدعومة من السلطةالجزائرية الأقوى، وهى بالطبع ليست الحزب الحاكم ولا مجموعة المهرجين في الحكومةالجزائرية من بوتفليقة لأصغر موظف عمومى بل من قبل جنرالات الجيش الجزائري. زعماءالمافيا العسكرية، الذين لا يشابههم سوى أقرانهم هنا في القاهرة.
3
قلت لك يا على سابقاً أنك من المتناكين.ونحن متناكين فعلاً يا على. ما باليد حيلة. طيب يعنى هنعمل أيه؟ شوف الخريطةتلاقيها فاتحة رجليها. بس برده المتناكين ليهم نفس وليهم كرامة، ومش اى زب معدى فيالشارع يبعبصنا يا على.
يعنى احنا بنتتبعص كل كام سنةفي الانتخابات، ناخد بعبوص على خفيف في قطر مولع، سفينة تغرق. بس في الأخر عادى ياعلي. دى بعبصة مننا وفينا. والبعبوص اللى يجيي لك من ايدك مش زى البعبوص اللى يجيلك من ايد الغريب.
4
تفرح الناس في كل مكان بكرةالقدم. يلعبون، يشجعون، يحتدون، يتعصبون، يتعاركون، يسبون الدين لبعضهم البعض. بلويقتلون بعضهم البعض. والحمد لله فلم تصل الأمور عندنا إلي درجة ما يحدث فيمباريات الدورى الانجليزي وغيرها من أحداث الشغب في المباريات الأوربية.
5
ثم فجأة هناك مباراة مصيريةوستجري وقائعها في السودان الشقيق. وبدلاً من إرسال مشجعى الكرة الحقيقيين. ارسلنامشجعى مصر. أحه يا على. ايه اللى دخل مصر في الكورة.والكورة في مصر. ليه مش نسيب كل حاجة لأصحابها. وأيه اللى يودى طارقالدسوقي الماتش يا على. يا على الكاميرا قطعت على طارق الدسوقي ثلاث مرات. وفيالثلاث مرات طارق كان بيعيط يا على. فيه مشجع يعيط. طيب هو هيعيط ولا هيشجع ياعلى. طيب وليه المشجعون اللى ليهم في الكورة مش سافروا؟ اللى عايز مصر ممكن يشجععلى القهوة، لكن اللى في الملعب وبيشجع دا زى اللى بيلعب، ليه بس يا علي؟ ليه؟ كانلازم يعنى نتفرج على البهوات وهما قاعدين لابسين البدل وبيتفرجوا بدل ما يشجعوا؟فين التشيجع يا علي، قول لهمان احنا محربناش، ولاد سيد الضوى مدخلوش حرب يا على.
لا شجعنا، ولا لعبنا، ولاضربنا. طارق اتبعبص، وفؤاد الزجاج شكه في كرشه. نامت مصر حزينة، ضمت الأعلام، نظرتالعيون في الأرض. عدا النهار.
6
الإعلام وجد نفسه متورطاًفبعد كل النفخ والشحنة للفريق المصري والأداء المشرف في الملعب علي حد وصف السيدرئيس الجمهورية. نحن لم نفز، إذا ما العمل؟يفكر عمرو أديب ما الذي سوف أفعله؟ ما الذي سوف نذيعه؟ كيف سنملأ الصفحات؟ كيفسنملأ ساعات البث؟ وما الذي سيحدث للإعلانات. كان الله في عون عمر، وفي عون كلإعلامى. ادعى لهم معى يا على وقول يا رب.
7
مثلما هول الإعلام الجزائريمما حدث للجزائريين بعد مباراة القاهرة، هول الإعلام المصري مما حدث للمصريين بعدمباراة الخرطوم. ففي أى مباراة في أى مكان من الطبيعى أن يحدث هذا العنف، لكنالفرق ان الجمهور المصري تكون من المتنفذين على الإعلام ومراكز صنع القرار. شكة محمد فؤاد مش هتروح بالساهل كدا يا وراورا.
8
العسكر مجانين دائماً يا علي.يحبون ملابسهم وألوانهم ونياشنهم. لديهم تصورات ثابتة عن الكرامة، والوطن، والهيبة.العساكر. جنرالات ضباط. لا يهمهم العساكر صغير، لا يهمهم سوى الضباط من رتبتهم.
إهانة العسكري ليست مشكلة.يولع العسكري بعيلته بأبوه بولاده. العسكري تتم اهانته داخل الكتيبة يتم مسح بلاطالحمام بوجهه ومؤخرته، لا يهم. يتم فشخه أو بعبصته طالما كان هذا من قبل ضابط نفسالكتيبة، لكن حينما تتم إهانة عسكري المراسلة من قبل ضابط آخر أو من كتيبة آخري...يثور الضابط فإهانة العسكري في هذه الحالة هى إهانة للضابط، ولا شئ أهم من هيبةالضابط ونايشنه.
9
هيبة الضابط هى هيبة الدولةهى هيبة العلم هى هيبة الوطن هى كرامة الوطن هى كرامة الدولة هى كرامة الضابط. إذالم تكونوا ضباطاً وتقرآون هذه المدونة فولع في نفسك يا ابنى، بدل ما تجري وراءأوامر الضابط بدعوى الدفاع عن هيبة الوطن. وافتكر وزى ما وصت حنان ترك ابنها إبراهيمالأبيض في الفيلم "عمرك ما تخلى حد يدوس عليك.إذا انداس عليك مرة هينداس عليك طول العمر".
--------------------- --
ملحوظة محلوظة آخيرة. عنوانالتدوينة "يخرب بيت الظالم والمظلوم" مكتبسة من واحدة من تسجيلاتالأسطورة المدنية السيبرية "بدير سواق تريلاالحاويات لا النقل". للمزيد عن بدير شاهد الفيديو المرفق
الأعزاء جان فرانسو ليوتار،جين باودريلارد، ميشيل فوكو، برنارد سميث، ديفيد جرايبير، إيهاب حسن، توماس لوكمان، بيتر بيرجير وأخراً وليسأخيراً مايكل جاكسون لترقد أرواحكم في سلام إذا كنتم غير موجودين في هذاالعالم. أو لتنعموا بنومٍ طيب إذا كنتم موجودين في هذا العالم.
---------------- --
عنوان التدوينة مقتبس بتصريف من أقوال الفنان الشاب أحمد رحال الذى نشكره دائماً على لفت نظرنا إلى المناطق الخفية
تحتوى الشرائط الدينية عادة على صوت شيخ رصين. يتحدث الفصحى مع تبسيط بالعامية لبعض الكلمات أو التعابير الكلاسيكية وفي الخلفية يمكننا أن نسمع ردود أفعال الجمهور الخاشع وهو يصلون على النبي عليه السلام، أو يبكون تأثراً من وصف النار. هذا هو الشكل العام الذي يسيطر على معظم شرائط الخطب الدينية وإن كان الاستثناء الوحيد هو شرائط الشيخ كشك التى تمتلئ بضحكات الجمهور التى ترتفع تقريباً بعد كل جملة يقولها الشيخ. ربما لهذا السبب ورغم مرور عشرات السنوات على هذه التسجيلات لا تزال شرائط الشيخ كشك أو أسد المنابر كما يلقبه محبوه تلقي اقبالا كبيرا. حيث السخرية هى سلاحه الأقوى والذى صنع به شعبيته ومجده.
ظهر الشيخ كشك في الستينات وتألق نجمه في السبعينات. كان نموذجاً معبراً عن خطاب دينى بديل مغاير لصوت خطاب المؤسسة الدينية الرسمية، يسعى لإيجاد قنوات اتصاله الخاصة. تمنعه وزارة الأوقاف من الخطابة في المساجد التابع لها فيلجأ للمساجد الأهلية، تضيق الحكومة النطاق عليه فيلجأ لتعبئة الشرائط للتواصل مع جمهوره لتتسع شعبيته ليس داخل مصر فقط بل في كل الأقطار العربية والإسلامية. لم تكن الأفكار التى يقدمها كشك في خطبة هى فقط المختلفه عن الخطاب الدينى الرسمى بل أيضاً الطريقة التى يقدم بها هذه الأفكار. لم يكن يتكلم بالعربية الفصحى أو يحافظ على نبرة صوت وقوره. بل يصر على التحدث بالعامية ونبرة صوت تنخفض وترتفع تتلون في أداء مسرحى بليغ لتدعم أسلوبه الساخر الذى حافظ عليه في جميع خطبة. سخرية أشبه بقذائف موجهه ضد أفراد بعينهم يري أنهم يمثلون أسباب الانحدار والتدهور الذي تعيشه الأمة. بداية من أم كلثوم "امرأة في السبعين من عمرها تقول:خدني لحنانك خدني.. ياشيخه خدك ربنا" وعبد الحليم حافظ "عندليب أسود ظهرت له معجزتين الأولى يمسك الهوى بأيديه والتانية يتنفس تحت الماء" وحتى السياسيين سواء كانوا مصريين أو عالميين فحتى رئيس إثيوبيا السابق منجستو هيلا مريم لم يسلم منه حينما قال عنه ( يحتوي اسمه على حروف النجاسة كاملة). كان اللعب بالكلمات وتحوير معانى أسماء الشخصيات أحد التقنيات المفضلة لدى كشك كأن يقول عن توفيق الحكيم (لا توفيق ولا حكمة) وشريفة فاضل (لا هيا شريفة و لا ابوها فاضل).
ولأنه ينتمى لخطاب يعلى من شأن الهوية الدينية على حساب الهوية الوطنية فقد كان هناك جزء أساسي يقوم على السخرية من الخطاب الوطنى الذى يعلي من شأن مصر كأن يقول في واحدة من خطبة (دا هما بيؤولوا - يقولوا - دي مصر أم الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم بيؤول - يقول - دا الدنيا ملعون ملعون ما فيها ، يبأ (يبقى) مصر أم الملاعيين). هذا إلى جانب السخرية المتواصلة من أطياف الحراك السياسي المصري ومن النظام الحاكم ورجال المباحث. الأمر الذى أدى إلي اعتقله أكثر من مرة وخضوعه لمراقبة مكثفة من رجال المباحث حتى أنه في واحدة من خطبة وبينما كان يدعو للحضور من المصلين قال "اللهم صلي على الصف الثاني، والثالث، والرابع" فقيل له "والصف الأول يا شيخ" فقال "دا كله مباحث يا اخوّنا". ورغم تصاعد المضايقات الأمنية ضد كشك إلا أنه لم يخفض من نبرة صوته أو من حدة سخريته، وعلى ما يبدو فلم تكن مشكلة كشك بالنسبة للحكومة معارضته فقط للنظام بل أيضاً إهانته المتعددة للأنظمة العربية والعالمية الآخري هو الأمر الذى كان يوقع نظام السادات في بعض المواقف المحرجة مثل ما حكاه السادات نفسه في خطاب 14 سبتمبر 1981 حين قال " في زيارة النميري الأخيرة لي في رمضان اللي فات بيقول فيه واحد عندك إمام في مسجد اسمه الشيخ كشك قلت والله آه فيه عندنا واحد.. قال لي أنا عملت له إيه، قلت له ليه؟.. قال لي هو يعرفني قلت له والله ما عرفت يا جعفر إيه يعني.. قال لي يا سيدي دا فيه كاست عندي في السودان على خطبة جمعة بتاع واحد اسمه كشك نازل شتيمة في وبتتوزع في السودان.. يعني بيشتموا هنا وبيشتموا في السودان". وهكذا جعلت سخرية كشك اسمه أحد الأسماء البارزة في اعتقالات سبتمبر 1981، وحينما تم الإفراج عنه تم منعه من الخطابة أو الدعوة في المساجد وبالطبع تعبئة شرائط كاسيت. لهذه اتجه إلى تأليف الكتب التى زادت عن 100 كتاب جاءت كلها بأسلوب رصين يخلو من سخريته الحادة التى على ما يبدو لم تكن تظهر إلا أمام الميكرفون.
في مقابل كشك كان هناك سخرية الشيخ الشعراوى وخفة دمه والتى على عكس من كشك لم تكن موظفة لنقد الأوضاع السياسية والاجتماعية بل كانت أشبه بمجموعة من حركات خفة اليد واللسان يستخدمها لتلطيف دروسه وخطبه الدينية وفي أحياناً آخري للترويح عن صديقه الرئيس السادات الذي كان يحب الشعراوى وعينه وزيراً للأوقاف وحين استدعى الشعراوى لحلف اليمين الدستورى وقف يقرأ القسم بالمحافظة علي النظام والدستور والقانون وأن يرعي مصالح الشعب وسلامة أراضيه.. إلخ.. وفي آخر القسم قال بصوت مرتفع مستمر مع القسم: (إن شاء الله).. فأغرق السادات في الضحك.
* * *
التولفية التى قدمها الشيخ كشك كانت هى الخلطة التى حاول بعد ذلك العديد من الدعاة الجدد تقديمها، وإن كانوا قد استوعبوا الدرس جيداً وأدركوا أن هناك خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها وإن السخرية لها حدودها ومن يتجاوزها يدفع الثمن غالياً، وهو ما استفادوه من الشيخ الشعراوى حيث تعلموا منه كيفية المحافظة على شعرة معاوية بينهم وبين الحاكم. وهكذا ابتعدت سخرية الدعاة الجدد عن نقد مظاهر الفساد السياسي واتجهت إلى السخرية من المقصرين في أداء الصلاة أو النساء السافرات ويأتى على رأس هؤلاء الساخرين الذين حققوا شعبية واسعة الشيخ وجدى غنيم والذى يكفي كتابة اسمه في محرك البحث جوجل حتى تظهر للمتصفح عشرات الفيديوهات التى تمتلئ كلها بالعديد من المقاطع الطريقة له مثله مثل أى فنان كوميدى. بعضها ينقد فيها الجهلاء بالدين "واحد بيقول أنه حافظ 43 جزء من القرآن الكريم" فترتفع ضحكات الجمهور "ليه نقول ديمقراطية نجيب حاجة من برا البيت، إذا كان عندنا الشورى. معقولة أسيب أكل مراتى، واروح أكل من برا سندوتش معمول بزيت خنزير" فتنطلق ضحكات الجمهور، وهكذا يستمر منولوج وجدى غنيم أفيهات قصيرة وضحكات كثيرة.
ساهمت السخرية مهذبة الأظافر التى قدمها هؤلاء الشيوخ في توسيع شعبيتهم لكنهم واجهوا عائق طبقي لم يتلفتوا له. فمعظم هؤلاء المشايخ قد أتوا في الأساس من قري فقيرة أو أقاليم خارج القاهرة، لهذه فقد كانت لهجتهم و "أفيهاتهم" الكوميديا ابنة لهذه البيئة فدائما ما سيكون هناك حكاية عن أحمق يركب حمار، أو "كنا نقول فلان اتولد مع عجلة العمدة" وكلها تركيبات رغم طرافته لم تكن لتجذب جمهور الشباب الجديد المتخرج من الجامعات الأجنبية، والذي يفضل السندوتشات في مطاعم الوجبات السريعة عن أكل المنزل.
لذلك لجأ دعاة الشباب كعمرو خالد، خالد عبد الله، ومصطفي الحسينى إلى تحديث السخرية ليصبح هناك كلمات وأفيهات شبابية أكثر معاصرة. ودافع عمرو خالد عن هذا المنهج حينما قال في واحد من الخطبة "أن الصحابة كانوا متعطشين للكوميديا، ويمكن استخدام الكوميديا في خدمة الإسلام"
* * *
تعدد الشيوخ واتساع السوق من قنوات فضائية لمواقع على الانترنت لشرائط كاسيت من المنافسة بين الشيوخ والدعاة وبعضهم البعض. وهنا ظهر استخدام جديدة للسخرية فلم تعد كما قال عمرو خالد "وسيلة لخدمة الدعوة" بل وسيلة لتصفية الحسابات بين الشيوخ وبعضهم البعض. وهكذا يستخدم الدعاة الجدد السخرية لنقد بعض البعض، فالشباب الذين يرتدون الجينز والقمصان مفتوحة الصدر ويذهبون "للجيم" يسخرون من المتشددين الرجعيين. وأصحاب الجلابيب والذقن الكثيفة يسخرون من الشباب الجاهل بالعلم. وكانت آخر هذه المعارك التي استخدمت فيها السخرية بشراسة المعركة التى قامت بين الداعية الشاب مصطفي الحسينى (قناة اقرأ) والشيوخ السلفيين اسحاق الحوينى محمد حسين يعقوب (قناة الناس).
هكذا انحدرت سخرية شيوخ الدين من أداة للنقد، إلى سلاح لتصفية الحسابات الشخصية. فالشيوخ في النهاية بشر عاديون يضحكون، يطلقون الأفيهات، يجرون وراء لقمة العيش ومستعدون للدفاع عن لقمة عيشهم حتى آخر أفيهه.
-------------------------- --
نشرت بجريدة أخبار الأدب عدد 19 يوليو
تقريباً لا يمر يوم عادى دون أن أقابل على الانترنت أو في شوارع المدن المصرية مواطن ما يعرف نفسه بصفته مهتم بالسينما المستقلة. يمكن أن يكون مخرج مستقل، مصور مستقل، ممثل مستقل، كاتب سيناريو مستقل. بعضهم سوف يشير باستحياء لدراسته في مدرسة منى الصبان، البعض الآخر سوف يقولها بنوع من الاحتكار "معهد سينما"، آخرون سوف يذكورنها بشكل عابر "مدرسة الجزويت" بالإضافة إلي المئات الذين أنبتتهم مجموعات الفيسبوك وبلاعة المجارى المعروفة باسم الساقية.
ورغم هذه الكثافة في عدد الشباب المهتمين بالسينما المستقلة، فالانتاج الذي أراه من فترة لآخري أمر يبعث على القرف والغثيان. ويمكن لمن يبحث عن دليل عن هذا الكلام أن يزور أي مهرجان من مهرجانات الساقية كمهرجان أفلام توفيق الحكيم أو مهرجان أفلام الكاتب المسهوك إحسان عبد القدوس.
سبب الغثيان الذي يصيبنى حينما أشاهد الأفلام المستقلة المصرية أن الاتجاه الغالب عليه هو السعى المتأصل والدءوب للاقتراب من السينما التجارية أو مفاهيمها، وقلة سعى منتجيها إلى اللعب أو التجريب. والمشكلة أن تلك الأفلام التى تسعي إلى الاقتراب من النمط السينمائي السائد هى الأفلام التى تلقي الاهتمام والترحيب ومعظمها بالطبع يتناول عالم المهمشين على اعتبار أن السينما المستقلة سينما شارع وبتاع، لكن كل ما سبق لا ينفي وجود بعض الأعمال المدهشة والملفتة للنظر وأكثر تجريباً وطزاجة في رأى فيلم نانسي عادل "لست ساقطة".
فيلم نانسي لا يعبر، أو يحكى قصة، أو يقدم صور ولقطات جمالية ذات صبغة شعرية –كما تعودنا من الأفلام السكندرية- بل هو دفقة مرح وخلطة محكمة من جميع تيمات الثقافة الشعبية السائدة، محاولة لتحويل ما هو بيضان وممل إلى جزء من لعبة تحقق رعشة إثارة خفيفة، طبق إفطار صباحي.. أمليت طازج مقدم مع لحم الخنزير المقدد، وكوب من عصير البرتقال.
---------------- --- ---- ---
الصورة المصاحبة للتدوينة لمخرجة الفيلم نانسي عادل في محاكاة تراجيديا لفيلم فوزية البرجوازية
في يونيو الماضي وبدعم من المترجمة الإيطاليا باربار بانينى. استضاف مهرجان "هاى فاونديشن فيستفال" العرض الموسيقي الراقص روجرز المقام اعتماداً على رواية روجرز لأحمد ناجى. العرض موسيقي ماسيمو، تصميم رقصات ورقص أليساندرا. الفديو المصاحب لهذه التدوينة هو الكليب الذي كان يعرض على الحائط مصاحباً للموسيقي والرقص.
Recent comments
1 day 2 hours ago
1 day 15 hours ago
1 week 2 days ago
1 week 3 days ago
1 week 3 days ago
1 week 3 days ago
1 week 3 days ago
1 week 4 days ago
1 week 4 days ago
1 week 4 days ago