عيش كأنك تلعب
في تدوينته الأخيرة كتب "عم بخ" الشهير بميم الحاج فقرة ذات قدر كبير من من القوة الخادعة، لكنها تصلح كمفتاح لما سيلى، حيث يقول عم بخ:
" هذه المقدمة كانت ضرورية لأعلن أني أفضل المعنى والقيمة على المتعة، وأن هذه الأشياء هي محاور الإرتكاز الأساسية التي تقوم عليها حياتي، وإني قد أخاطر بأن أبدو ثقيل الدم وممل حين أتحدث عن أم كلثوم بوصفها (ممثلة لتقاليد غنائية عريقة) عن أعلن حبي لمغني تافه وإمعة مثل عمرو دياب، حتى وإن كان عمرو دياب أكثر شعبية بما لا يقاس من الفقيدة الممثلة."
في انفعال واضح، وعصبية زائدة مميزة لعائلات أولاد الحاج يعلن عم بخ، انحيازه للقيمة في مقابل المتعة –كأن المتعة ضد القيمة- بل يمتد في عنفه وعصبيته الغير مبررة أو مفسرة قائلاً أنه مستعد لأنى يفقد خفة دمه المرحه ولا يعلن عن حبه لعمرو دياب، مما يجعلنا نطرح سؤال هام، هل يحب عم بخ عمرو دياب؟ ألم يكن عمرو دياب السبب في أن يجلس عم بخ في البيت ولا يجد من يشتري منه ألحانه العبقرية؟ ألم نكن كلنا شهود على تدمير عم بخ على يد عمرو دياب، ثم تدمير دياب على يد تامرحسنى وأخوه أكرم حسنى بتاع سيد أبو حفيظة اللى طيظه بتحرقه. لماذا إذا يحب عم بخ عمرو دياب ويشعر بالخجل من الإعلان عن حبه.
على كل حال لننسي ما مضي. لكن الأمر ليس بهذا البساطة يا عم بخ، ليس ولن يكون بهذه البساطة. لم ولن ولا يوجد أى تعارض بين القيمة والمتعة، هذا لأن المتعة جزء من القيمة، ما يحدث فقط هو انحيازات لأنواع مختلفة من المتعة. خفف عن نفسك يا عم بخ، لا مشكلة من أن تعرب عن كرهك لعمرو دياب، ومحبو ام كلثوم ليسوا ثقلاء الدم على العكس هم أهل المزاج ع قديمه، أهل الكيف، من دون الحشيش –أحد آلهة المتعة الكبار- ما كانت أم كلثوم لتكون، من دون الانتشار والشعبية التى دمعها نظام ناصر لام كلثوم ما كانت اسطورتها لتكتمل. المتعة والشروط التجارية. عاملان أساسيان لا يمكن لنا أن نكون خارجهما، ربما فقط لفترة مؤقتة.
ساندرا بولوك وميريل ستريب
هؤلاء أشخاص نادرون لا يتكررون بسهولة. لديهم عزة نفس، وكبرياء، وشموخ. لا يتسلون اهتمام الإعلام ولا يتقنون التحدث في برامج حكى المشاوير، لا يمارسون الرياضة، ليس لديهم مديرو أعمال يرشدونهم أو يوجهونهم، ليس لديهم أى مواهب موسيقية سوى النحنحة والصدق والشحطفة لإيصال مشاريعهم المرهفة إلى طبقتهم الشعبية. خذ عندك محمد فؤاد مثلاً، هذا الرجل أسطورة لن تتكرر. فدون سبب استيقظ فؤاد ذات يوم وقرر أن يبيع العالم من أجل كرشة.
مش مهم الحفلات، مش مهم الغناء في الأفراح، ومش مهم أعمل فيديو كليب، مش مهم حتي أغني، المهم أن يجلس وفي يده ثمرة الموجة منتهكه تنزف سوائلها من كل اتجاه، وتسقط ملحوسة ذقنه وكرشة وجلابيته البيضاء.
---------------------- ---
الصور المصاحبة للتدوينة من فوق لتحت فؤاد حزيناً على ما يجري في الوسط الفني، خصوصاً بعد قرار اعتزاله الغناء في الأفراح، الصورة الثانية فؤاد مع الرياضى محمد زيدان، والفرق بين الاثنين واضح، كما يظهر في الصورة ذوق فؤاد غريب الأطوار مرتدياً جزمة جيش، وحاكيت فرو وتحته قميص مخطط، الصورة الثالثة صورة نادرة يظهر فيها عمرو دياب ومحمد منير في الأسفل، وفؤاد بشموخة وكرشه الصغير في مراحل نموه الأول فوقهم جميعاً. المجد لك فؤاد.
<!--[if gte mso 9]-->
مرسيدس سوسا (3 يوليو 1935- 4 أكتوبر 2009). الموسيقي لا تزال دائرة، والسيجارة لا تنطفئ.
ثلاث حفلات قدمها الفنان
الأردنى عزيز مرقة الأسبوع الماضي حيث طاف بفرقته مسرح مكتبة الإسكندرية، ثم الساقية،
وأخيراً جنينة الأزهر الخميس قبل الماضي مقدماً موسيقاه الجديدة التى يعرفها
بموسيقي "الراز".
الراز أيضاً هو اسم فرقة عزيز مرقة، والاسم مزيج بين ثلاث كلمات كلمات انجليزيه "الجاز، الروك، العربي". وهى الموسيقي التى تسعى الفرقة إلى تقديمها حيث نجحت بعض سنوات من التجارب في تقديم نوع موسيقي قد يختلف على تسميته من الناحية العلمية إلا أن بصمته خاصة.
بدأ مرقة ذو الأصل التونسي والأردنى الجنسية أول تجاربه الموسيقي أثناء دراسته الموسيقي في أمريكا، وهناك تبلورت لديه الأفكار الأولى لفلسفة موسيقي الراز، المزج بين طاقة موسيقي الروك، وهمهمات تنويعات الجاز والإحساس العربي. بدأ في عرض الفكرة على زملائه من الموسيقيين الشباب وتكونت فرقة موسيقي الراز لأول مرة من موسيقيين عرب وأجانب، ومن أمريكا أصدر مرقة أول أغنياته (القصة) التى انتشرت على الانترنت وتبادلها آلاف الشباب من خلال الإيميلات على الانترنت.
عاد مرقة بعد ذلك إلى عمان، وهناك تم إعادة تشكيل الفرقة من عازفين أردنيين، وأحييت مجموعة من الحفلات داخل الأردن ساهمت في تعزيز مكانة مرقة كصوت ذو نبرة جبلية وكلمات مغايرة. وكانت أشهر أغانيه والتى رددها خلفه الجمهور المصري الخميس قبل الماضي أغنية "ممسوس" والتى يعيد فيها استخدامات تيمات موسيقي الزار البدوية مضيفاً تنويعات على البيانو ومحولاً لحظات الحماسة في الزار إلى أصوات الجيتار الصاخبة.
في حفلة الجنينة بدا مرقة متوتراً في بداية الحفلة أمام جمهور مصري قدم خصيصاً ليستمع إلى أغانى مغرقة في اللهجة الأردنية، لذلك فبخفة دم نجاح مرقة في إضفاء نوع من المرح على الحفلة، ولتجاوز حاجز اللغة التى قد تبدو غامضة للمستمع المصري، كان يقدم قبل كل أغنية تلخيصاً موجزاً لمعانى الأغنية بالعامية المصرية. وكنوع من المداعبة للجمهور قد مرقة وفرقته توزيعاً للحن "الأروام" لسيد درويش لكنه لم يخضع لسلطة اللحن ويوظف جميع آلات الفرقة لنوتة درويش الموسيقية بل أضاف وحذف وركب، وفي الوقت الذى يلتزم فيه الناي والجيتار للحن درويش، يخرج مرقة بتنويعات مغايرة على البيانو، ثم يعود البيانو للالتزام بلحن درويش بينما يخرج الناي. لعبة الحذف والإضافة والتركيب التى يمارسها مرقة في الموسيقي التى يقدمها هى العنصر الأقوى الذي يجذب إليه الجمهور من مختلف اللهجات والجنسيات ويجعله يندمج مع ما يقدمه بغض النظر عن المضمون، الأمر الذي يجعل جمهور مصري من الشباب لا يتردد في أن يهتف باسم عمان داخل المسرح مطالباً عزيز بغناء واحدة من أغنياته عن مدينته الأم عمان.
--------------------------------- --
نشرت في أخبار الأدب بتاريخ 13 سبتمبر، باختصار وتصريف نظراً لظروف النشر الصحفي.
عمرو عبد العزيز
عبد الباسط دياب، 48 سنة. وكما هو موضح في الصورة جسم مشدود،
عضلات منفوخة، وذراع يمكن استخدامه كعمود خرسانة. وما زال قادراً على الغناء
بحنجرة ذهبية. وما زال قادراً على الحركة في الساحة الفنية بمكر وذكاء شديد فهو
الأعلي سعراً، الأذكى في اختيار الكلمات والألحان. أغانيه لعنات يكفي سماعها مرة
واحدة لكى تستمر في ترديدها لفترات طويلة.. أتذكر مثلا كيف أصبت لحوالى الاسبوع
بمرض اسمه "أنا ليك وعمرى ما اكون غير ليك روحى
شاغلها" حيث كانت الجملة تتكرر داخل عقلي بشكل لا إرادى طوال
الوقت، والآن أعانى من مرض "كله إلا حبيبي، ودى
تبقي دنيا إلا ويا حبيبي".
في المقابل فحينما مات مايكل جاكسون، كان قد فقد شعره كله، ومصاب بعدد من الأمراض وتدهورت صحته بشكل خطير حتى أنه قد توقف عن الغناء بشكل علنى قبل رحيله لما يقرب السبع سنوات.. بينما عمرو يشعل مارينا والساحل كل صيف، وتتسابق الفنادق عليه في رأس السنة والأعياد، وبنته ما شاء الله مزة من مزز الجامعة الأمريكية والعرسان يتقدمون لها كل يوم وما زال هو شاب مزة مميز. الدرس المستفاد من كل ما سبق "فكك من عمليات التجميل... وروح الجيم"
في يونيو الماضي وبدعم من المترجمة الإيطاليا باربار بانينى. استضاف مهرجان "هاى فاونديشن فيستفال" العرض الموسيقي الراقص روجرز المقام اعتماداً على رواية روجرز لأحمد ناجى. العرض موسيقي ماسيمو، تصميم رقصات ورقص أليساندرا. الفديو المصاحب لهذه التدوينة هو الكليب الذي كان يعرض على الحائط مصاحباً للموسيقي والرقص.
في صباح 8 ديسمبر عام 1980 وقف ديفيد تشابمان في أحد شوارع نيويورك ممسكاً بيده رواية "The Catcher in the Rye" للكاتب الأمريكى "جى. دى سالينجر J. D. Salinger. " وفي اليد الآخري أشهر مسدسه وأطلق خمس رصاصات على المغنى البريطانى "جون لينيون" لينهي حياة أهم أيقونة موسيقية في الستينات والسبعينات. وحينما تم إلقاء القبض على تشابمان رفض الإدلاء بأى تصريح أو تبرير جريمته مكتفياً بتقديم نسخته من رواية سالينجر وقد كتب عليها "هذا اعترافي". كان تشابمان يري أن جزء منه هو شخصية هولدين كالفيلد Holden Caulfield المراهق ذو 16 عاماً بطل رواية سالينجر والناقم على كل ما حوله الشاعر بالملل من زخم الأفكار المجردة والنظريات المفروضة عليه.. والساعي لتدميرها.
اغتيال جون لينون كان إشارة واضحة أن نموذج المغنى الرومانسي صاحب الشعر الطويل والأغانى العاطفية والنضالية ذات الميول اليسارية لم يعد مطلوباً. كانت الحداثة في مراحل احتضارها الأخيرة. لم تكن الأفكار الكبري والنظريات الضخمة هى فقط التى تواجه نوعاً من الانكماش بل أيضاً المنتجات الفنية التى صنعت مجدها اتكاءً على هذه الأفكار. وعلى رأسها بالطبع أعمال جون لينون صاحب أغانى "تخيل/imagine "وقوة الشعب power to the people " .
وفي عام 1982 قدم مايكل جاكسون البيان الأقوى لعصر ما بعد الحداثة الجديد متمثلاً في ألبومه الذي صنع مجده الموسيقي "Thriller". احتل الألبوم المرتبة الأولى كأعلى الألبومات الموسيقية مبيعاً في تاريخ العالم (104 مليون نسخة حتي لحظة كتابة هذه السطور) وكان خروجاً عن كل ما هو معتاد في الموسيقي والكلمات.
استكشاف المتع الجديدة
في أغنية Thriller لا يقدم مايكل أغنية عاطفية أو محملة بمفاهيم سياسية طوباوية، بل شيء أبسط من ذلك وأكثر حميمية بالذات. فالفكرة الأساسية في الأغنية تدور حول مفهوم الإثارة ليس بمعناها الجنسي أو العاطفي فقط بل إثارة الخوف. وفي الفيديو كليب يظهر مايكل متحولاً إلى ذئب متوحش يرقص مع الأموات الذين يستيقظون من المقابر. هذا التحول كان مخالفاً لصورة أى نجم شاب، يسعي إلي تقديم صورته الفنية في بداية مشواره.
لم يظهر جاكسون كشاب وسيم أو ثري، بل شاب يرتدى جاكيت أحمر يتحول إلى ذئب ثم فرانكشتين فقط ليخيف صديقته، ويجعلها تتذوق متعة الخوف. كل هذا مصاحباً لجرعة مكثفة من المتعة البصرية والموسيقية قوامها الخيال الأسطوري المجرد من أى عمق فكري. كانت الأغنية هى التطبيق الفعلي لأفكار جان فرانسو ليوتار حول الإعلاء من قيمة ما هو جمالي بديلاً للعقلانية الديكارتية والكانطية. وبقدر من المبالغة يمكننا أنى نري الأغنية تمثيلاُ لما دعا إليه إيهاب حسن في "جماليات الصمت" من تقديم فن غير شفاف يقاوم الاستهلاك والتأويل "فن يوجد في العالم كسطح حسي."
كانت المفاهيم تتغير وكان مايكل جاكسون إلى جانب "برنس" و"مادونا" هم الجيل الموسيقي الأمريكي الجديد الذين يغيرون كل تلك المفاهيم عن الموسيقي والفن والصورة. وقد راهنوا على الجسد والمتع الحسية التى يمكن ادراكها بالحواس الخمس كثوابت يمكن خلالها تحقيق أكبر قدر من التواصل مع جميع المتلقين بغض النظر عن عرقهم أو ديانتهم أو ثقافتهم. كانتThriller إعلاناً واضحاً لنهاية عصر المغني الرومانسي الذي قدمه ألفيس بريسلي وفرانك سناترا، ومعه عصر الغناء المرتكز على الأفكار المثالية ذات الصبغة اليسارية الذى قدمه فريق البيتلز وبينك فلويد، وبداية عصر الفنان خادم المتعة المجردة. العصر الذي سيصفه عجوز ذو مزاج رجعي كميلان كونديرا "بعصر الضوضاء". فلم تعد الموسيقي كما تعود عليها جيل كونديرا وسيلة لحمل أفكار أو تعبير عن مشاعر بل أصبحت هدفاً في حد ذاتها ومتعتها الأعظم هى قدرتها على تحريك الأجساد وبث الطاقة في المستمعين. هل يتشابه هذا مع ما قدمه أحمد عدوية في الثمانيات؟ ربما. لكن بينما تعرض عدوية للنبذ والتهميش من قبل السلطة والإعلام الرسمي حتى نهايته المأسوية. فالسلطة الأمريكية أدركت منذ اللحظة الأولي أهمية مايكل جاكسون وعرفت كيف تحاول استغلالها. ورغم أن جاكسون ظهر في وقت كان الحزب الجمهوري بنزعته المحافظة يسيطر علي الحكم ويتولي ريجان مقاليد الرئاسة إلا أن ريجان شخصياً استقبل مايكل في البيت الأبيض، وقدمته المؤسسة الرسمية كأيقونة موسيقية وإعلامية قادرة على التأثير في ثقافات العالم المختلفة في مواجهة ثقافة المعسكر الشرقي.
ابناً للثقافة الأمريكية لا السلطة
كان مايكل ابناً لثقافة رأسمالية قامت على الاستهلاك كمحرك للانتاج وبطبيعة الحال فالمتعة الصافية الخالية من أى منغصات فكرية كانت مفهوم أساسي في تلك الثقافة وذلك في مقابل ثقافة المعسكر الشرقي التى تمتلئ بأطنان الكتب والنظريات والبروستريكا والتروتسكيه.
وفي نفس الوقت لم تكن عبقريته الموسيقية نتاج عبقرية من خارج كوكب الارض (في مقابلة مع أوبرا وينفري صرح جاكسون في نوفمبر 2001 أنه يشعر أنه جاء من كوكب آخر اسمه كابريشو يقع خارج المجموعة الشمسية) بل هى تطوير مجتهد وذكى لموسيقي الصول والبوب، وكان مايكل يشير في كل مرة بأن أعمال مغنى الصول جيمس براون هى أكثر ما يلهمه ويؤثر فيه وهى موسيقي شعبية نمت في الشوارع الخلفية بعيداً عن دعم السلطة والثقافة الأمريكية الرسمية.
لذلك فابن موسيقي الشوارع أدرك مبكراً الدور الذي رغبت المؤسسة الرسمية الأمريكية في سجنه داخله كأيقونة إقليمية. وهو ما لم يكن بالدور الذي يرضي فنان مثله يدرك أهمية نفسه جيداً. والمتأمل لتاريخ مايكل الموسيقي كله يجد أنه لم يغن أبداً أى أغنية وطنية بل كانت أغانية دائماً ذات مضمون إنسانى عالمي. ففي عام 1985 على سبيل المثال اطلق حملته "نحن العالم/ "We Are the World" والتى كانت عبارة عن أغنية شارك في غنائها 45 موسيقي ومغنى أمريكي تبرعوا بكامل أجرهم وأرباحهم لصالح محاربة الفقر في أفريقيا. كان هذا المشروع بداية لمجموعة من المشاريع الخيرية والموسيقية التى سينظمها جاكسون أو يشارك فيها وكلها تتعلق دائماً بضحايا الحروب والفقر والأمراض المختلفة في الدول الأكثر فقراً.
كانت أغانى
مايكل دائماً تحتوى على هذه النبرة الواضحة من الغضب المميز لغرور المراهق، كانت
كلمات مثل الضرب، تكسير الحدود، تجاوز مفاهيم الصواب والخطأ تتكرر في معظم أغانيه
بالاضافة إلى القليل من البهارات الجنسية. لكن مع بداية اتسعينات اكتسب هذا الغضب
في كلمات مايكل بعداً سياسياً واسعاً تحديد حينما قدم أغنية "أنهم حقاً لا
يهتمون بنا/ They don't really care about us" كلمات الأغنية كانت أشبهه بهتافات على
خلفية موسيقي جاكسون المميزة، وكل هتافات معادية لمفهوم الحرية أو الليبرالية
المزيف، وضد كل أنواع السلطة، وعلى رأسها سلطة الشرطة. وفي الفيديو كليب الذي
اختار مايكل لاخراجه سبايك لى أحد الآباء المؤسسين لمفهوم السينما المستقلة يظهر
مايكل جاكسون داخل زنزانة محاطاً بصور ولقطات لعنف الشرطة والعسكر ضد المدنين من
جميع أنحاء العالم بداية من عنف الشرطة الامريكية ضد السود وحتى الشرطة الصينية ضد
المتظاهرين
لغة الجسد
في منتصف التسعينات كنت طالباً في المرحلة الإعدادية في إحدي المدارس بالكويت. وبطبيعة الحال كان الفصل الدراسي يتكون من خليط من الطلبة العرب من كل الجنسيات من تونس وحتى لبنان وفلسطين. ورغم هذا التباين فقد كان مايكل جاكسون هو الشيء المشترك بين جميع هؤلاء الطلبة العرب الذين لم تتجاوز أعمارهم الرابعة عشر. كان الجميع يسعي إلى تقليد طريقته في ارتداء الملابس. البنطال الأسود والقميص الأبيض المفتوح. هذا التأثير على مجموعة من المراهقين العرب في مدرسة في دولة خليجية صغيرة يدل ببساطة على مدى قوة وتأثير مايكل في ثقافة جيل كامل من الشباب لا في منطقة محددة فقط بل في العالم كله.
لم يتواصل جاكسون مع كل هؤلاء من خلال الكتب أو السينما أو أى وسيط آخر، بل كان جسده هو الوسيط الذى يتعامل من خلالها مع جمهوره. نجح مايكل في أن يحول جسده إلى أهم وسيلة تخاطب متجاوزاً حواجز اللغة. في 1985 قدم على أحد المسارح لأول مرة "مشية القمر" وهو طريقة السير التي ابتدعها حيث ينساب بقدميه إلى الخلف بدلاً من السير إلى الأمام وعلى المسرح اصطحب معه قرداً صغيراً يقلد حركته. بعدها ابتكر مايكل طريقته في هز الأكتاف كموجة تتحرك من الكتف الأيمن إلي الأيسر، إلقاء القبعة، تحريك ركبتيه في حركة متداخلة، الانحناء حتي الاقتراب من الأرض ثم الانتصاب مرة ثانية. كلها أحرف وكلمات تتشكل منها لغة مايكل جاكسون التى تحولت إلى لغة عالمية يمكن للجميع التواصل من خلالها.
لكي يصل مايكل إلى هذه المرحلة تطلب الأمر منه أن يعيد تشكيل جسده كما يريده. وما يبدو واضحاً فهو لم يرغب في جسد أسمر يمتلأ بالعضلات، بل أراد جسداً ناعماً يمكنه أن ينساب بنعومة وليونة مع الموسيقي. جسد تختلط فيه الأنوثة مع الذكورة متجاوزاً حاجز النوع. جسد يتجاوز حاجز الفناء والتفكك لهذا فقد أخضع جسده لعمليات التجميل، ووضعه بعيداً عن أي مؤثر خارجي ليحميه من عوامل التفكك أو التحلل. فهو يتنفس أوكسجيناً منقي، ويشرب ماءاً مكرر، وحينما يطل على جمهوره يرتدي قناعاً. بل وسعي إلى وضع نسخ من حمضه النووى في عدد من بنوك الأحماض النوويه حتى إذا أتت الفرصة المناسبة يمكن أن يتم استنساخه من جديد. كانت الخلود هو معركة جاكسون الآخيرة وكان المرض ومقاومة تحلل الجسد هو عدوه الذي سعي إلى الانتصار عليه، لكنه خسر المعركة الخميس قبل الماضي.
أسطورة أعلى من الواقع
استمر نجاح مايكل في تصاعد مدهش لم يتكرر مع أى فنان، كانت ألبوماته تحقق أعلي المبيعات في جميع أنحاء العالم، وحفلاته يتجاوز جمهورها مئات الآلاف يتصارعون للاقتراب من خشبة المسرح التى يقف عليها. وعلى الجانب الآخر كان مايكل يعيش في عالم آخر تخلط فيه الحقيقة بالواقع. اشتري ضاحية كاملة وبني فيها قصراً فخماً ومدينة ملاهى كاملة وأطلق على ضاحيته اسم "نيفر لاند" وهو اسم الجزيرة التي كان يعيش فيها بيتر بان بطل رواية "بيتر وويندى" للكاتب الاسكتلندى جى. ام. باري. والتى يمكننا من خلالها فهم الكثير من تركيبة مايكل الشخصية، حيث كثيراً ما كان يتماثل مع شخصية بيتر بان، الطفل الذي لا يكبر ويعيش طفولة أبدية يعزف على الناى ويمكنه الطيران. لهذا فقد كان يعيش دائماً محيطاً نفسه بالأطفال باحثاً عن طفولته الضائعة حيث عاش طفولة قاسية متعرضاً للضرب من قبل والده.
لذلك في عام 2003 اتهمت عائلة أحد الأطفال الذين كان يقيمون لفترات مؤقتة في بيت مايكل بالتحرش بابنها، واستمرت القضية من 2003 وحتي 2005 حيث حكمت المحكمة في النهاية ببراءة مايكل. لكن تلك المحاكمة كشفت عن تحولاً جديداً في جاكسون انتبه له المفكر البريطانى تيري إيجلتون الذي نشر بعد إعلان البراءة مقالاً هاماً بعنوان "الدروس المستفادة من محاكمة جاكسون" قدم فيه نقداً حاداً للطريقة السينمائية التى جرت بها المحاكمة، وباعتبار مايكل جاكسون رمزاً لما بعد الحداثة فقد قارن ايجلتون بين عمليات التجميل التى يقوم بها مايكل ورغبته في الخلود وإعادة تشكيل العالم ورغبة إدراة الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش في إعادة تشكيل العالم وفرض نموذج موحد للديمقراطية. لكن بغض النظر عن مدى صحة أو عدم صحة مقاربة ايجلتون إلا أنها تعطينا صورة واضحة عن الطبيعة الخاصة التي اكتسبها مايكل جاكسون في آخر سنواته حيث أصبح الأيقونة الأهم للحضارة الغربية، الأمر الذي جعل ناقد أكاديمى رصين كايجلتون يستخدمه كنموذج لنقد هذه الثقافة.
ترتيبات العودة
في أغسطس 2008 أكمل مايكل الخمسين عاماً، كان يحاول التعافي من الملاحقات القضائية والديوان المالية التى تراكمت عليه وبلغت ملايين الدولارات. وكان يعلق آمالاً كبيرة على الجولة الموسيقية التى سيقيمها في أوربا في صيف 2009. وحسب شهادات المقربين منه كان يتدرب باجتهاد كأنه شاب في العشرينات فجأة نام ذات يوم ولم يستيقظ مرة ثانية. انتهى جسد مايكل عن العمل لكن موسيقيه وتأثيره الثقافي سيظل مستمراً لفترة طويلة.
------------------- --- -------------- -
نشر هذا المقال بجريدة أخبار الأدب عدد 5 يوليو... بعد اختصاره لضرورات الناشر الصحفي. اللوحات المصاحبة للتدوينة من أعمال الفنان Helnwein.
واحد..اثنين... ثلاثة. نحن الآن مع التجارب. مشروع روجرز الموسيقي التجربة الأولى، موسيقي الموسيقار الإيطالى ماسيمو، صوت فادى عوض، عن نص رواية روجرز لأحمد ناجى.
لم أرتح أبداً لهذا الفصل الغريب الذي يمارسه الخطاب الأنثوى للأعضاء الجنسية ومتطلباتها، وللاحتياجات الفسيولوجية والسيكولوجية للطرفين، لكن هذا ليس موضوعنا اليوم بل هو السبب الذى جعلنا أشعر بحالة من الانبهار حينما جلست لساعات طويلة استمع وأعيد الاستماع لأعمال الفنانة منار محمود سعد، وتحديداً أغنيتها القنبلة "الست والشيطان" التى قام بتلحينها د.محمد أبو طه، وتأليف الشاعر أشرف شاعر.
هناك عدة أسباب لانبهارى المبالغ فيه بأغنية منار أولها هو صوت منار المميز والذي يذكر بالطبع بأساطير الغناء الشعبي الكبار بداية من بدرية السيد والغائبة في أنهار البودرة شفيقة الاسكندرانية.
في أعمال كل
المغنيات الشعبيات والمغنيات العربيات عموماً نلمح دائماً هذه النبرة من "النحنحه" الحزن الأنثوى، الحزن الذى قد
يكون سببه في الغالب الخيانة – وهل يمكن أن ينسي أحد صوت بدرية السيد وهى
تغنى "طلعت فوق السطوح ابص على طيري/ لقيت طيري
بيشرب من قنا غيري/ زعقت بعلو صوتى وقلت يا طيري/ قال لى زمانك مضي/ دور على غيري"-،
أو غدر الأحبة ونظرة المجتمع إلى المرأة بصفتها آداة – وهل يمكن أن ننسي شفيقة
أيضاً وهى تغنى "عجب على ولد/ فاكر بنات الناس
لعبه/ صادف بنت راسمه/ على الهدوم لعبة/ قالت له روح يا شاطر/ بنات الناس مهياش
لعبة".. لكن هذه الحالة من الحزن تختفي تماماً لدى منار لتحل
محلها صرخة منار "آآآآآآآآآآآآآآآآآه يا انا
تعبااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااانه"
لم تعد هناك مساحة للحزن أو الشجن لأن زمن شفيقة قد انتهى ورحل بغير رجعه، وأوضاع النسوان في مصر وصلت لمرحلة سودا مهببه، كل هذا بشكل أو بآخر كان يجب أن تعكسه أغنية منار. يمكنكم الاستماع إلى أغنيتها التى حققت لها شهره كبير "الست والشيطان" من على أياً من هذه الروابط، لكن الأغنية التى أرغب في التوقف قليلاً أمامها هى أغنية "تعبانة"
تبدأ الأغنية بمقدمة الصيت "مع صوت الجبل، وصوت الرعد، نجمة الأغنية الشعبية.. منار محمود سعد" بعد ذلك يدخل صوت الطبلة، ثم آهات منار الملتاعه "آهههه" وخلفها الكورال الذى يفتتح الأغنية على خلفية تفقير المولد "لما الملايكة تسألك/ نبيك مين/ ومين ربك/ مين ساعتها يرحمك/ ولمن هتهرب من ذنبك"
تقذف منار المستمع في بداية الأغنية إلى ظلمة القبر، بداية ذات صبغة دينية، تجعل المستمع محاصراً بأخطائه وذكرياته، ثم يدخل صوت منار "آآآآآآآه يا انا تعبانه" لازمة تكررها أكثر من، ثم تبدأ الرحلة ..
"جو المولد/ شفت عجايب/ كفاية راجل شايب عايب/ عاكس واحده طلعت بنته" يعنى من الآخر لا تقول لى تحرشات، ولا "كلنا ليلي" ولا "كلنا سوسو" تستخدم منار المولد كمعادل موضوعى للحياة لتأخذنا في رحلة طويلة تستعرض خلالها حال المرأة المصرية في صور متعددة..
"شفت حريم ماشيه بتدلع/ والرجالة خلاص هتولع" لا تحاول منار ادانه سلوك الحريم أو سلوك الرجالة بل فقط تصف الحالة بصوت فعلاً لا يمكن تشبيه إلا بصوت الرعد..
"وواحده في المولد خطفوها/ بس دا مولد/ ومين هيسمع" فعلاً مين سيسمع لا تجد منار إجابة على هذا السؤال سوى بترديد لازمتها "آه يا انا تعبااااانه... لى لا، لى لا، لى لا"
"كله بينفض ويطنش/ الخلق بتأكل بعضها/ والشباب قاعده وبتحشش/ والكل دلوقتى مقضيها" وهل هناك شيء آخر نفعله ترد منار "لى لا، لى لا، لى لا". لتستمر المزيكا بأصابع د.محمد أبو طه، ثم تختم الأغنية بصوت الكورال الذى يترك المستمع حائراً أمام السؤال "لما الملايكة تسألك؟"
مولد منار واحد من أفضل أغانى المولد التى استمعت لها، والتى أعتقد أنها غالباً ستكون واحدة من الأغانى الأساسية في الميكروباصات والتكاتك الفترة القادمة، كما أن منار بالتأكيد ولدت نجمة تمتلك كل مقومات الاستمرار... اسمحوا لى أن اتشارك معكم في النهاية بتسجيل صغير للنجمة منار في أحد الأفراح الشعبية
Recent comments
3 min 20 sec ago
3 min 30 sec ago
3 min 52 sec ago
4 min 2 sec ago
4 min 14 sec ago
2 hours 48 min ago
2 hours 50 min ago
3 hours 48 min ago
3 hours 48 min ago
3 hours 49 min ago