عيش كأنك تلعب
بالصدفة تذكرتك أمس.. كنت جالساً مع مجموعة من الأصدقاء نخطط لحملة لمكافحة التدخين، حينما وقعت ورقة من معطف فرناندو بيسوا، ورقة بيضاء مخططة كتب فيها بيسوا أسطر صغيرة
أنت لست امرأة. لا تستثيرين حتى بداخلى شيئاً يمكن أن أحسه أنثوياً. فقط عندما أتحدث عنك تسميك الكلمات أنثي، والتعابير ترسمك امرأة. ولأن على أن أكلمك بحنو وحلم عاشق. لذلك تعثر الكلمات على الصوت المناسب لمعاملتك كامرأة.لكنك في جوهرك الغامض، لست بشيء. لا تملكين أى واقعية، ولا حتى واقعيتك أنت وحدها. لا أراك تماماً. ولا أحسك. كأنك احساس موضوعه ذاته وذاته موضوعه.حتى صورتك الجانبية هى تأكيد لكونك لا شيء.
لقد مررت قبل الآن، وقبل الآن مضيت، وقبل الآن أحببتك – الاحساس بأنك حاضرة هو الاحساس بهذا تحديداً.. الإحساس بغيابك، كأنى أتذكرك.
من يستطيع أن يخلق النظرة الجديدة التى رأيتك بها، الأفكار الجديدة والأحاسيس التى كان بإمكانى أن أفكر وأحس بها.
لدى محاولتى لمس معطفك، تتعب تعبيراتى من جراء المجهود الذي ابذله لحركات اليدين ويعتري كلماتى عياء متصلب ومؤلم. لذلك لا تصل كلماتى إلى ما أريد أن أقوله لك أو عنك.. عباراتى لا تحسن تقليد مادة أو صوت خطواتك أو أثر نظراتك، أو اللون الحزين والفارغ لمنحنى الحركات التى لم تقومى بها البتة.
أكثر مكان يمكن أن تصادف فيه عدداً كبيراً
من لمبات النيون في مصر.. هو محلات التوحيد والنور
.
ألقيت هذه العبارة دفعة واحدة في وجهه تروتسكى أثناء تناولنا وجبة خفيفة في مطعم Star بميدان لبنان. وضع تروتسكى اصبع البطاطس المحمرة في فمه وهز رأسه بطريقته المثيرة للتوتر دائماً، فأكملت حديثي..
-محلات التوحيد والنور هى أكثر المحلات انتشاراً في كل ربوع مصر وأحيائها.. مهما تعددت المستويات الاجتماعية، في الزمالك هناك توحيد ونور، في المهندسين توحيد ونور، ميدان الجيزة توحيد ونور، فيصل توحيد ونور، شبرا توحيد نور، المنصورة توحيد ونور، اسكندرية توحيد ونور، المنيا توحيد ونور، قنا توحيد ونور... إن جمهوريتنا الغالية هى في رأى جمهورية نورانية يشع التوحيد من كل أركانها. وفي كل هذا الفروع يحرص العاملين في محلات التوحيد والنور على وضع أكبر عدد من اللمبات النيون في نافذة العرض.
تناولت مبسم الشيشة وأخذت أكركر، ثم أخرجت النفس في سحابة كبيرة من الدخان في وجهه وأكملت:
-المشكلة أن بضاعة التوحيد والنور تتصف دائماً بالرداءة البالغة، سواء كانت ملابس أو أحذية أو أدوات منزلة... كل بضائع التوحيد والنور تتصف بأنها تخلو من أى ابتكاريه أو احساس بالجمال، وما يزيد الخراء عفونة، أنه في كثير من الفروع لا يهتم العمال بتنظيف عينات العرض فتتراكم عليها الأتربة وتحت اللمبات النيون يبدو التراب مع رادءة الألوان والأشكال التى تتخذها المعروضات كأنه حفل صاخب للقبح بالنور الأبيض.
على الطاولة المجاورة لنا كان يجلس ثلاث
فتيات محجبات تعلو بين فترة وأخري أصوات ضحكتهن المسرسعه، والثلاثة تحيط بهم سحابة
من دخان شيشة التفاح الكثيف ذو الطعم المائع
-التوحيد والنور... كم أحبه؟! أنه نموذج مصغر يمكنك من خلالها التعرف على الوجه الخرائي المصري، فخر الصناعة المصرية وسبعة آلاف سنة من الحضارة انتهت بأصحابها نحو البرانويا الكاملة وأبشع ما وصلت إليه النفوس البشرية من أمراض أن كل ما شاهدته أو تشاهده لدى الأمم أو الحضارات الأخري هو مستنسخات مطورة من الأصل مصري، فنحن قد مررنا بكل مراحل الحضارة الإنسانية، ما يفعله الأمريكان حالياً فعلناه منذ آلاف السنيين.. نحن فخر الإنسانية يعنى بجد.
أخذت أتابع الفتيات وهن يتبادلن نغمات الموبيل التى جذب صوتها أذن تروتسكى فالتفت إلى الخلف وألقي نظرة عليهن ثم عاد إلى وهو مستمر في هز رأسه بتلك الطريقة المثيرة للتوتر
-على سبيل المثال، لاحظ معظم الأطفال في التوحيد والنور ستجدهم يبكون أو مكتئبون، غير راضيين عن الملابس التى يختارها أهلهم، لكن الأهل المساكين ليس باستطاعتهم شراء ملابس لاطفالهن من مكان ثانى... ثم أن الأمر في النهاية بدلة للواد يعيد فيها ويقضي بها بقية العام حتى العيد القادم أو دخول المدارس
رفع تروتسكى
اصبعه نحو متظاهراً باكتشاف أمر خطير وقال:
-الفقر...
-نعم الفقر.
-شيء قبيح هو الفقر
-نعم شيء قبيح للغاية بلاشك، لكنك ستجد في التوحيد ملصقات على الجدران من نوع أقم صلاتك، ارتدى حجابك، القناعة كنزاً لا يفنى، بل ربما وجدت شريط خطبة لشيخ يخرج صوته من السماعات متحدثاً عن تقشف الخلفاء الراشدين وحجرين كان يربطهم النبي الكريم على بطنه ليسد من جوعه... وهكذا تجد عدد لا بأس به من المصريين يخرجون من التوحيد والنور وهم يهزون رؤسهم مرددين عبارات من نوع، أهم حاجة الصحة، القناعة كنزاً لا يفنى... وادينى كسينا الولاد والحمد لله
قامت فتاة من مقعدها ووقفت خلف الفتاتان الأخرتين اللتان اقتربا لبعضهما البعض وأحدهن تمسك موبيلها لتعرض على الآخرتين على ما يبدو كليب أو صورة ما، فأخذت نفساً أخر وأخرجته في الهواء نحو السقف
-تعرف تروتسكى اللمض النايون تمتص الطاقة
من الجسم، تصيب بالخمول، لذلك يستخدمونها في المستشفيات لتهدئة المرضى وفي
المؤسسات الوظيفية لإخضاع العاملين والسيطرة على انفعالاتهم... في التوحيد
والنور معظم العاملين شباب من حملة المؤهلات العليا حليقي الذقن لكن بعد فترة من
العمل تحت اللمض النيون يحرص كل واحد منهم على تربية ذقونه، وتنمو لهم كروش صغيرة
ويترقون في السلم الوظيفي ليصبحوا كاشير قد الدنيا أو مسئولون عن قسم البدل... كأن
الذقن شرط أساسي من الترقي داخل التوحيد والنور.
تناول تروتسكى زجاجة الكاتشب وسكب جزءاً من السائل الأحمر في زاوية من الطبق، ثم تناول أصبع بطاطس ولوثه بالكاتشب وقذف به إلى فمه وهو يقول:
-دائماً تحاول الرأسمالية أن تخلق نمطها الاستهلاكى الخاص الذي يسعى لترسيخ ثقافتها وسطوتها
قاطعته وأنا أشاهده يسكب من زجاجة الكاتشب مرة ثانية "نعم صحيح... لكن تروتسكى أرجوك لا تكثر من الكاتشب سوف تصاب بالتخمة وتفسد الرجيم."
نظر لى نظرة متذمرة، ثم وضع غطاء الزجاجة مكانه، حينما فجأة ارتفعت صرخة قصيرة من طاولة البنات وتراجعت احداهن بالكرسي وهى تنتفض من مكانها، حيث انسكبت زجاجة المياه كلها على سروالها القماشي الأبيض الذى التصق بفخذها، وحينما كانت في طريقها نحو الحمام بان في منتصف السروال بين فخذيها ذلك الخط الأحمر فاتح اللون الذي كان يلوث سروالها من الأمام.
.
أنى أحبك في الله يا طنط آمال. أعرف أن الظروف حتى الآن لم تتح لنا الإلتقاء، لكنى سمعت تقريباً معظم قصصك وحوديتك، كما أنى استمعت لصوتك الذى آتانى على طيف الام.بي.ثري..
طنط آمال أنا فعلاً متفق معاك في الكثير من آرائك.. نعم العيال العرب بتوع الصحرا دول كانوا عيال هايجه على بعض، وفعلاً الراجل الكبير دايماً عليه حاجات غريبة ولا أجد أى تفسير لأخذه الولد الصغير إلا أنه فعلاً له حاجات غريبة، أما أهم النقاط التى اتفق معها فيك، أن الله لا بد أن يستيقظ يوماً ما فيأخذ كل المرضي والأغبياء والمجانين والعواجيز، والجالسين على الكراسي، بل حتى ممكن يأخذنا نحن أيضاً ويترك العالم هكذا أبيض... علشان العيال الجديدة تطلع على نضافة بقي!
1
لديها جسد جميل، على العموم الجسد الإنسانى جميل في كل حالاتها فقط المسألة تحتاج إلى تحديد زوايا الإضاءة وألوان الخلفية، لكن في جسدها بياض دافيء اكسبته الشمس سمره أشهى من الشيكولاتا، أعيطتها تمثال صغير من العاج لسمكة ميتة، فابتسمت ابتسامتها الجانبية كان هذا جيداً جداً.
2
حلمت بسمكة سردين صغيرة وحيه في كفي، والأغرب أنى كنت أعرف أن تلك السمكة بالذات لديها القدرة على الحياة خارج المياة، كما أننا كنا متفاهمين جداً، وكان هذا جيداً جداً.
همست لها وأنا احتضنها عارياً ويدى تداعب ظهرها، ثم وضعت السمكة على فخذهاً. ابتسمت السردينه الصغيرة وهى تلمس فخذها، وتتحرك نحوى الأعلى، وكلما زحفت السردينه لأعلى كان تتسع ابتسامتها، أما هى فقد وسعت من ابتسامتها الجانبية حتى صارت ضحكة جميلة واسعة، قبلت ذقنها وقضمت شفتها السفلي؛ السردينة الآن كانت قد اختفت تماماً.. وكأن هذا جيداً جداً.
بعد ثلاثين أو أربعين عاماً
حينما انظر إلى حياتى سأكتشف أن أجمل الأوقات هى التى ضيعتها في الكسل والفراغ
والوقت بدل الضائع، أنا عاشق لا نهائي لإضاعة الوقت بلا أى شيء.
منذ أن كنت في الجامعة وحتى بعدما تخرجت، يحتاج انجاز عمل يستغرق منى ساعة إلى ثلاث ساعات، أكتب خمسة أسطر، ثم أتراجع للخلف، وأظل أتملى لعشر دقائق في عبقريتى، احذف حرف واضيف نقطة أو حركة تشكيل، ثم أدخن سيجارة واستغرق عشر دقائق أخري في التفكير في الفقرة القادمة، طبعا بعد فترة انتبه أن السيجارة تحتاج معها لقهوة بالحليب، فأطلب القهوة لكن السيجارة تنتهى قبل أن تأتى القهوة، أهم بالكتابة وافضل انتظار القهوة فأنا لا أفضل أن ابدأ في الكتابة ثم تأتى القهوة لتقاطعنى في المنتصف..وهكذا تمر ساعة كاملة وأنا لم أكتب سوى عشرة أسطر.
لكن الأجمل من ذلك هو الوقت الضائع فلا معنى، مثلا حينما أدخل الحمام أظل لفترة طويلة العب في الصنبور واتأمل حركة خيط المياه، صوت المياه، أخذ في تحريك الصنبور يميناً ويساراً مستمتعاً بصوت "التشش" ثم اتجرد من ملابسي وأبدأ في تأمل جسدى في المرآة ليبدأ فصل ثالث طويل من الحديث مع النفس في المرأة والضحك، ثم الدخول أخيراً تحت الدش، لكن أحياناً وأنا تحت الدش اتذكر نغمة ضعيفة أو أغنية قديمة فأحاول أن ادندن ايقاعها، لكن صوت الدش يشوش عليّ فأغلقه وأظل ادندن محاولاً استعَادة النغمة، حتى اضبط الايقَاع ثم افتح الدش ثَانية وأنا مُستمر في الدندنة... من أوقات الفراغ الضائعة أيضاً حينما نجلس متقاربين ثم يصمت الحديث، ويسكت الكلام أسرح بعيداً بعيداً ثم أعود على صوتك يفاجئنى بجمله قد تكون تافهه لكن لا يوجد أجمل منها لكى أختم بها وقتى الضائع.
أما الجزء الأهم على الإطلاق فهو الجزء الخاص بما قبل النوم، حيث جرت العادة منذ أن كنت صغيراً أنا أقضي ما بين النصف ساعة والساعتين متذكراً تفاصيل اليوم كامله أو مُطلقاً الخيال على سفينةِ القرصان جاك سبارو في الفراغ المطلق.
ولماذا نذهب بعيداً منذ الأمس وأنا يفترض أنى استخدم الانترنت بحثاً عن معلومات حول اللغة الاندونيسيه ونشأتها وتطورها، لكن حتى الآن ضيعت أكثر من ست ساعات، في قراءة رسائل البريد والرد على الرسائل، ومشاهدة عدد من الفيديوهات على يوتيوب، والقراءة عن سبل إقامة علاقات جنسية في الفضاء، ولم انجز أى شيء مما اريد انجازه بلا ها أنا جالساً أكتب كل هذه التدوينة الطويلة. هكذا قضيت تقريباً ثلث حياتى مضيعاً الوقت في اللاشيء، كجمل ينظر للشمس باستخفاف ويمضغ الوقت في صمت وعيونه مثبته على منظر لا يتغير لرمَال الصحراء وفي أذنه سماعات صوت بول سالم.
* * *
طريف هى موسيقي وأغانى بول سالم، في البداية حذبنى إليها إيقاعها المغاير، ثم بعد ذلك مللت منها أشد الملل، كلمات الأغانى تحتوى على مبالغات شعرية جذابة لكنها غير لطيفة وليست في رأى صادقة كأن يقول مثلاً في أغنية مدينتنا "صراصير محنطة/ خيوط الشمس تعميها" الجملة في رأى مركبه بشكل مبالغ فيه مما يجعلها تشبه أعمال أدونيس.
لكن في الفترة الأخيرة بدأت عملية إعادة اكتشاف لبول سالم، أن موسيقي بول بطيئة معظم الوقت، وصوته نفسه لديه إيقاع بحري يشبه موج الشاطئ ليلاً، كأنه يمضغ الوقت ببطء مستمتعاً إضاعة الوقت، بصراحة أننى ارشح بول كأهم موسقي ومغنى يمكن استخدامه في إضاعة الوقت ومضغه... خصوصاً حين يغنى "*هل أن الدنيا كلها ناس/ والفكر كله ضربة كاس/ وإذا اثنين التقوا عال/ وإذا ما التقوا عال/ وإن الحياة فيها خطة/ كلها مدروسه نقطة بنقطة..
هل هايدا وهم أو خيال/ هل أن الحب كله شغلة البال/ أو أن فيه حقيقة عميقة/ هل أن الشغله بالمشاعر/ بيحس بيها العادى مثل الشاعر/ أو أن فيه دقيقة بتمرء ما بتعود..
هل ان الدنيا كلها عبر/ وهى بس لمن اعتبر/ أو أن فيها حظ شو بتقولى/ والله ما بقي اعرف افكر/ ما بقي اعرف اقول/ ما بقي اعرف عيش..
----------------------------- --
*إذا اردت الاستماع إلى أغنية بلاكى كاملة من خلال الضغط على الرابط التالى وتنزيلها، أما لمزيد من أغانى بول سالم فهذا أمر يطول شرحه
متجرحنيش يا نونا... دا أنا كلى خرابيش.
اقتباس بتصريف عن فيلم جنة الشياطين. سيناريو وحوار: مصطفي ذكري، المقتبس بدوره عن رواية جورجى آمادو "الرجل الذي مات مرتين"
Recent comments
5 hours 33 min ago
6 hours 56 min ago
6 hours 59 min ago
16 hours 56 min ago
18 hours 4 sec ago
18 hours 20 min ago
1 day 3 hours ago
3 days 9 hours ago
4 days 8 hours ago
6 days 8 hours ago